اقترح الرئيس الأمريكي دونالد ترمب استخدام اسم الذكاء الفائق بدلا من الذكاء الاصطناعي في الوثائق الأمريكية، في خطوة تعكس نظرته إلى هذه التكنولوجيا باعتبارها قوة حقيقية ومذهلة، لكن هذا الاقتراح يفتح في الوقت نفسه جدلا تقنيا، لأن مصطلح الذكاء الفائق يحمل لدى المتخصصين معنى مختلفا وأكثر تحديدا.
وخلال خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، قال ترمب إن الولايات المتحدة ستشير إلى الذكاء الاصطناعي باسم الذكاء الفائق في الوثائق الرسمية، مبررا ذلك بأن كلمة اصطناعي قد تجعل الذكاء يبدو وكأنه زائف، بينما يرى أن التكنولوجيا الحالية ليست زائفة بل مذهلة، مع التأكيد على ضرورة التعامل معها بحذر.
ولم يكن اقتراح تغيير الاسم جديدا تماما، إذ طرح ترمب قبل ذلك خيارات أخرى، من بينها الذكاء السامي والذكاء الخارق والذكاء العالي، قبل أن يستقر على مصطلح الذكاء الفائق خلال خطابه في الأمم المتحدة.
ومن وجهة نظر ترمب، يبدو أن تغيير الاسم يهدف إلى تقديم الذكاء الاصطناعي باعتباره نوعا حقيقيا ومتقدما من الذكاء، بدلا من كلمة قد توحي بأنه مجرد محاكاة أو شيء مصطنع.
لكن المشكلة تبدأ عند النظر إلى المصطلح من الجانب التقني، فالذكاء الفائق أو Superintelligence ليس مجرد اسم آخر للذكاء الاصطناعي المستخدم حاليا، بل يشير إلى مفهوم نظري لنظام يتجاوز البشر في نطاق واسع من القدرات المعرفية.
وتوضح منصة كورسيرا التعليمية أن الذكاء الفائق يمثل مرحلة افتراضية لم تتحقق حتى الآن، تصبح فيها الأنظمة أكثر قدرة من البشر في مجموعة واسعة من المهام والقدرات العقلية.
وهنا يظهر الفرق بوضوح، فالذكاء الاصطناعي موجود بالفعل ويُستخدم في تطبيقات متعددة، بينما يشير الذكاء الفائق إلى مستوى مستقبلي محتمل يمكن فيه للأنظمة تجاوز القدرات البشرية في مجالات مثل السرعة والاستدلال والمعرفة وحل المشكلات.
ولهذا فإن الفارق بين المصطلحين لا يتعلق باللغة وحدها، بل يرتبط أيضا بالمرحلة التي يصفها كل منهما، وما يمكن أن تعنيه تلك المرحلة بالنسبة إلى مستقبل التكنولوجيا.
وكان سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة أوبن إيه آي، قد كتب في تدوينة نشرها عام 2024 أن الوصول إلى الذكاء الخارق قد يحدث خلال بضعة آلاف من الأيام، مع إقراره بأن الأمر قد يستغرق وقتا أطول، لكنه قال إنه واثق من إمكانية تحقيقه.
وبعد عام، قال ألتمان في تصريحات لموقع بوليتيكو إنه يتوقع الوصول إلى الذكاء الخارق بحلول نهاية العقد، مشيرا إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يصبح خلال عامين قادرا على تحقيق اكتشافات علمية لا يستطيع البشر الوصول إليها بمفردهم.
وبحسب تصور ألتمان، قد تمثل هذه القدرات بداية مرحلة يمكن وصفها فعلا بالذكاء الخارق، وهو ما يجعل استخدام المصطلح أكثر ارتباطا بالمستقبل المحتمل للذكاء الاصطناعي وليس بالأنظمة المتاحة حاليا فقط.
وهنا تظهر المفارقة في اقتراح ترمب، فالرئيس الأمريكي يستخدم الذكاء الفائق كاسم بديل للذكاء الاصطناعي الموجود اليوم، بينما يستخدم المتخصصون المصطلح نفسه للإشارة إلى مرحلة مستقبلية محتملة قد يصل إليها الذكاء الاصطناعي إذا تجاوز القدرات البشرية على نطاق واسع.
ويزداد هذا الفرق أهمية مع انتقال النقاش العالمي من تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحالية إلى الأنظمة الأكثر تقدما، خصوصا مع السباق بين شركات التكنولوجيا لتطوير نماذج أكثر قدرة.
وفي تقرير حديث لبيزنس إنسايدر حول تطور أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة، تناولت الصحيفة ما يعرف باسم Frontier AI، وهو مصطلح يشير إلى الأنظمة الموجودة عند الحدود المتقدمة للتطور التقني، مع انتقال النقاش داخل إدارة ترمب إلى قضايا تتعلق بالأمن القومي والبنية التحتية الحيوية والمخاطر المحتملة لهذه الأنظمة.
وبحسب ما نقلته بيزنس إنسايدر عن مسؤولين ومشاركين في تلك النقاشات، بدأت الحكومة الأمريكية تنظر إلى بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة ليس باعتبارها منتجات تكنولوجية فقط، وإنما أيضا باعتبارها مصدرا محتملا لمخاطر أمنية.
ويتصل بذلك جدل آخر حول إمكانية السيطرة على الأنظمة فائقة القدرة، إذ تناول تقرير لبيزنس إنسايدر فكرة استخدام مفتاح إيقاف لإيقاف أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة، ونقل عن عالم الحاسوب جيفري هينتون تشكيكه في أن يكون هذا الحل كافيا على المدى الطويل.
ووفقا للتصور الذي عرضه هينتون، قد يتمكن نظام يتفوق على البشر في الذكاء من التأثير في الأشخاص المسؤولين عن إيقافه، بينما يرى باحثون في سلامة الذكاء الاصطناعي أن إيقاف النظام قد يمثل طبقة واحدة فقط ضمن منظومة أوسع للحماية.
كما قد تعتمد فعالية هذا الإجراء على مدى ارتباط النظام بالبنية التحتية وقدرته على النسخ أو الانتشار أو الوصول إلى أنظمة أخرى، وهو ما يوضح سبب ارتباط مصطلح الذكاء الفائق بنقاشات تتجاوز مجرد اختيار اسم أكثر جاذبية للتكنولوجيا.
ومن هنا يمكن النظر إلى اقتراح ترمب من زاويتين مختلفتين، الأولى لغوية وسياسية، تتمثل في التخلص من كلمة اصطناعي لأنها، بحسب تفسيره، توحي بأن الذكاء غير حقيقي، واستبدالها بمصطلح يراه أكثر إيجابية.
أما الزاوية الثانية فهي تقنية، إذ يستخدم الباحثون وشركات التكنولوجيا مصطلح الذكاء الفائق بالفعل للإشارة إلى مستوى من الذكاء الاصطناعي يتجاوز القدرات البشرية في نطاق واسع، وهو مستوى لم يتحقق حتى الآن.
وبالتالي فإن تغيير الاسم لن يغيّر التكنولوجيا نفسها، لكنه قد يغيّر الطريقة التي يتم تقديمها وفهمها من الناحية اللغوية، فالحديث عن الذكاء الاصطناعي يصف تقنية موجودة حاليا وبقدرات متفاوتة، بينما الحديث عن الذكاء الفائق يستحضر مباشرة فكرة المرحلة التي قد تتجاوز فيها الآلات الإنسان في مجموعة واسعة من المهام والقدرات.
وقد يبدو الخلاف في البداية مجرد نقاش حول المصطلحات، لكن اختيار اسم واحد يكشف أيضا اختلافا في طريقة النظر إلى مستقبل هذه التكنولوجيا.
فترمب يتحدث عن الذكاء الاصطناعي باعتباره قوة حقيقية ومذهلة تحتاج إلى التعامل معها بحذر، بينما يستخدم الباحثون والمتخصصون مصطلح الذكاء الفائق في سياق مختلف يتعلق بمرحلة مستقبلية محتملة والقدرات التي يمكن أن تظهر إذا تجاوزت الأنظمة الذكاء البشري على نطاق واسع.
ولهذا فإن الجدل لا يتوقف عند سؤال ما إذا كان اسم الذكاء الفائق سيحل فعلا محل الذكاء الاصطناعي في الوثائق الأمريكية، بل يمتد إلى سؤال أكبر حول المرحلة التي تتجه إليها هذه التكنولوجيا، وما إذا كان التطور الحالي يمثل مجرد تقدم مستمر في الذكاء الاصطناعي، أم طريقا نحو نوع مختلف تماما من الذكاء.
وفي ظل التطور السريع لقدرات النماذج، قد لا يكون الخلاف على الاسم هو القضية الأهم، بقدر ما يكشفه هذا الاسم من توقعات حول المستقبل والحدود التي يمكن أن تصل إليها أنظمة الذكاء الاصطناعي.

إرسال تعليق