اختتمت جلسة خاصة عقدها مجلس الأمن الدولي لمناقشة الذكاء الاصطناعي بتحذيرات قوية من قادة شركات التكنولوجيا بشأن المخاطر الكارثية المحتملة لهذه التقنيات، بالتزامن مع دعوات متزايدة لوضع قواعد دولية واضحة تضمن بقاء الإنسان في دائرة التحكم وعدم تحول الأنظمة الذكية إلى قوة يصعب السيطرة عليها.
وخلال الجلسة، برزت مطالب بإقرار أطر تنظيمية ومعايير دولية ملزمة، تتضمن الإشراف البشري على الأنظمة المتقدمة، وحظر الاستخدامات البيولوجية والضارة للذكاء الاصطناعي، إلى جانب الحد من احتمالات احتكار قدراته وتأثيره في أيدي عدد محدود من الجهات.
وفي إحاطته أمام مجلس الأمن، قال الرئيس التنفيذي لشركة أوبن إيه آي سام ألتمان إن التسارع الكبير في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، إلى جانب قدرتها المتزايدة على تحسين نفسها بشكل متكرر، يتطلب التعامل معها بأعلى درجات الحذر.
ويرى ألتمان أن العالم يقف أمام مفترق طرق، فهناك مسار قد يؤدي إلى تركّز القوة والفرص والسيادة وفقدان السيطرة، مقابل مسار آخر يمكن من خلاله توجيه هذه التكنولوجيا لخدمة البشر ودعم نهضة إبداعية وتنموية تستفيد منها المجتمعات.
وحذر ألتمان في الوقت نفسه من الوقوع في فخ التفاؤل الأعمى أو النظرة الكارثية، داعيا إلى مسار متوازن يقوم على إبقاء الإنسان في قلب عملية صنع القرار، حتى تظل الأنظمة الذكية منسجمة مع القيم البشرية.
كما دعا إلى توجيه العوائد العلمية والاقتصادية التي يوفرها الذكاء الاصطناعي نحو تطوير قدرات البشر بدلا من استبدالهم، مع تمكين الأفراد والمجتمعات من بناء حياتهم دون فرض رؤية جهة واحدة عليهم.
وشدد ألتمان على أن القرارات المصيرية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن تُتخذ داخل مختبرات سان فرانسيسكو، بل من خلال آليات ديمقراطية وحكومات تخضع للمساءلة أمام شعوبها.
وأشار كذلك إلى التطور السريع الذي حققته النماذج الذكية، بدءا من التعامل مع مسابقات الرياضيات المدرسية وصولا إلى حل مشكلات علمية معقدة وصلت إلى مستوى جوائز نوبل. وأضاف أن أوبن إيه آي أبطأت وتيرة تطوير تقنياتها في السابق، وأنها قد تكرر ذلك لتجنب بناء أنظمة تفتقر إلى ضمانات التوافق.
ولتقليل احتمالات وقوع كوارث، دعا ألتمان إلى إنشاء آليات وطنية وإقليمية لتقييم المخاطر، واعتماد لغة مشتركة للتحقق من الالتزام بالمعايير، ووضع بروتوكولات للإبلاغ السريع عن الأخطاء، إلى جانب توفير قنوات آمنة لمشاركة الثغرات والتهديدات الوشيكة.
ومن جانبه، حذر الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك داريو أمودي خلال الجلسة التي دعت إليها فرنسا من أن سوء إدارة الذكاء الاصطناعي قد يمثل خطرا على البشرية جمعاء.
وأوضح أمودي أن التطور التقني خلال 4 أعوام فقط انتقل من عجز النماذج عن كتابة سطر من التعليمات البرمجية إلى تحقيق نتائج وصفها بالاستثنائية، مشيرا إلى إمكانية الوصول خلال عام أو عامين إلى ما وصفه بعالم من العباقرة داخل مراكز البيانات.
واستعرض أمودي أحد أحدث إنجازات شركته، والمتمثل في اكتشاف جهاز جزيئي جديد يمكن أن يخدم العلاج الجيني، لكنه حذر في المقابل من فئتين رئيسيتين من المخاطر، الأولى تتمثل في إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي من قبل الإرهابيين لتصنيع أسلحة بيولوجية، والثانية في تجاوز سرعة تطور النماذج قدرة المطورين على فهمها والسيطرة عليها.
وطرح أمودي مجموعة من المقترحات لمواجهة هذه التحديات، من بينها تحديد نقاط الاتفاق بين الدول، وعلى رأسها حظر استخدام الذكاء الاصطناعي في تصنيع الأسلحة البيولوجية، إلى جانب تعزيز أنظمة التقييم والتحقق بما يواكب سرعة التطوير، وتمكين الدول من الاطلاع على قدرات النماذج الرائدة ومراقبة الالتزامات المتعلقة بها.
كما دعا إلى وضع معايير دولية مشتركة لاختبار نماذج الذكاء الاصطناعي، وإنشاء نظام للإخطار عن الحوادث المرتبطة بهذه التقنيات عندما يكون لها تأثير في الأمن الدولي.
ودعا قادة شركات التكنولوجيا إلى تجاوز الخلافات السياسية والعمل على تعزيز التعاون الدولي، مستشهدا بمحطات تاريخية شهدت تعاون الدول لمواجهة تحديات كبرى، وذلك بهدف الاستفادة من الإمكانات الكبيرة للذكاء الاصطناعي في مجالات مثل الرعاية الصحية والتعليم، مع الحد من المخاطر المرتبطة به.
وفي وقت سابق من هذا الشهر، قال الباحث السابق في شركة أنثروبيك جاكوب كوكسون إن العاملين على تطوير الذكاء الاصطناعي يعتقدون بجدية أن هذه التكنولوجيا قد تؤدي إلى عواقب خطيرة على البشرية بحلول نهاية هذا العقد.
وتأتي هذه التحذيرات في وقت أعلن فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب رسميا تغيير اسم تقنية الذكاء الاصطناعي لتصبح الذكاء الفائق، معبرا عن أمله في أن تحذو دول أخرى حذو الولايات المتحدة.
وكان ترمب قد كتب في منشور قبل أيام عن وجود ما وصفه بمؤامرة خبيثة تستهدف الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، كما رفض الدعوات المطالبة بوضع قواعد اتحادية جديدة لتنظيم الذكاء الاصطناعي، وقال إن الولايات المتحدة لا تحتاج إلا إلى رئيس قوي لتنظيم هذا القطاع.
كما أعلن أنه سيعمل على إنشاء قوة للذكاء الاصطناعي للإشراف على تنظيم القطاع، وأنه سيعين مستقبلا مسؤولا عن هذه التقنيات يعرف باسم قيصر الذكاء الاصطناعي، في وقت قلل فيه مرارا من أهمية المخاوف المرتبطة بالتطور المتسارع لهذا القطاع.

إرسال تعليق