أحدث الأخبار

الذكاء الاصطناعي بين مخاوف السلامة وصراع النفوذ

صفحة فيسبوك
تابع الآن
إكس (تويتر)
تابع على X
ثريدز
تابع الآن
قناة واتساب
انضم الآن


 لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد مجال تقني يركز على الابتكار ورفع الكفاءة، بل أصبح ساحة تتقاطع فيها مخاطر النماذج المتقدمة مع السيطرة على الحوسبة والرقائق والبيانات، إلى جانب صراع متزايد على النفوذ بين القوى الكبرى، وهو ما يجعل الحديث عن سلامة الذكاء الاصطناعي مرتبطًا بشكل مباشر بمستقبل المنافسة العالمية.

وتكشف التغطيات الصحفية الصينية أن الجدل حول إبطاء تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة يتجاوز المخاوف التقنية، ليرتبط بسؤال جيوسياسي أكبر، يتعلق بمن يضع قواعد هذه التقنيات وكيف يمكن منع فقدان البشر السيطرة عليها، وما إذا كانت بعض الدعوات إلى الإبطاء تهدف في الوقت نفسه إلى الحد من تقدم المنافسين والحفاظ على تفوق الشركات والدول المهيمنة.

وسلطت صحيفة هوان تشيو الصينية الضوء على دعوة داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك، إلى إبطاء وتيرة تطور قدرات نماذج الذكاء الاصطناعي، مستندًا إلى أن المخاطر المرتبطة بهذه النماذج أصبحت جسيمة، في وقت لا تتقدم فيه إجراءات الوقاية بالسرعة نفسها التي يتطور بها الجانب التقني.

واقترح أمودي تشكيل فرق تقييم مستقلة من خارج الشركات، على أن تمتلك صلاحيات وصول مماثلة لتلك المتاحة للموظفين داخلها، بهدف التحقق من الالتزام بمعايير السلامة، وتقييم النماذج وعمليات تدريبها، إلى جانب الإبلاغ عن الحوادث الأمنية التي قد تقع.

وحظي هذا الطرح بدعم من سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة أوبن إيه آي، وإيلون ماسك، مؤسس إكس إيه آي، ووفقًا لما نقلته هوان تشيو عن تقارير أمريكية، فإن توافق 3 من أبرز قادة صناعة الذكاء الاصطناعي يعكس تحول المخاوف المتعلقة بهذه التقنية من نقاش هامشي إلى قضية تقع في صميم اهتمام القطاع.

وزادت هذه المخاوف بعد تصريحات جاكوب كوكسون، الباحث السابق في أنثروبيك، الذي تحدث عن قلق عميق لدى بعض العاملين من احتمال وصول النماذج إلى مستويات متقدمة يصعب على البشر التحكم فيها.

لكن الدعوة إلى إبطاء التطوير تفتح في المقابل مجموعة من الأسئلة العملية والسياسية، فما المقصود تحديدًا بالإبطاء، ومن الجهة التي ستحدد أن نموذجًا معينًا تجاوز الحد المسموح به، وهل يمكن لشركات متنافسة الاتفاق على خفض سرعة التطوير من دون أن يتحول ذلك إلى نوع من التنسيق الذي قد يقيد المنافسة؟

وتجعل هذه الأسئلة من سلامة الذكاء الاصطناعي قضية تنظيمية معقدة، لكنها تفتح أيضًا بابًا آخر للنقاش، يتعلق باحتمال تحول معايير الامتثال المكلفة إلى حواجز أمام الشركات الأصغر، بحيث تصبح الشركات العملاقة التي تمتلك الموارد والقدرة على تحمل هذه التكاليف في موقع أقوى، بدلًا من أن تكون الضوابط وسيلة لحماية السوق والمستخدمين فقط.

وتشير صحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست إلى أن التوجه الأمريكي لا يسير بشكل واضح نحو تبني الإبطاء الذي يدعو إليه أمودي، إذ قلل الرئيس دونالد ترمب من الحاجة إلى كبح تطوير الذكاء الاصطناعي، معتبرًا أن الولايات المتحدة لا تستطيع التخلي عن تفوقها على الصين في المنافسة العالمية، ومختصرًا هذا التوجه في أن الفائز في الذكاء الاصطناعي سيكون الفائز في النهاية.

ويعكس هذا الموقف مفارقة واضحة، فهناك اعتراف بالحاجة إلى بعض الإجراءات الوقائية، لكن في الوقت نفسه يوجد رفض لأي تنظيم يمكن أن يؤدي إلى إبطاء السرعة التي تتحرك بها الولايات المتحدة في سباق الذكاء الاصطناعي.

وعبر رئيس مجلس النواب مايك جونسون عن موقف قريب من ذلك، عندما أقر بالحاجة إلى إجراءات أمان، لكنه ربط الحفاظ على التفوق الأمريكي على الصين بشكل مباشر بمسألة الأمن القومي.

وفي الوقت الذي تدرس فيه الإدارة الأمريكية خطواتها، لا تزال محاولات الكونغرس لفرض قواعد تنظيمية، حتى وإن كانت محدودة، تواجه تعثرًا نتيجة التردد في وضع قيود على قطاع التكنولوجيا.

وبذلك، لا تبدو السلامة في الخطاب الأمريكي قضية منفصلة تمامًا عن الحسابات الأخرى، إذ تتداخل مع المصالح الصناعية والانتخابية، إلى جانب الضغوط المتعلقة بمراكز البيانات واستهلاك الطاقة والمياه، فضلًا عن التأثير المحتمل للأتمتة في الوظائف، لتتحول إدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي تدريجيًا إلى جزء من إدارة القوة الوطنية.

وفي الجانب الآخر، تفرض النماذج الصينية مفتوحة المصدر نفسها كمنافس لمسار النماذج المتقدمة المغلقة الذي تمثله أنثروبيك، سواء من ناحية التكلفة أو الأداء أو الانتشار داخل منظومة المطورين حول العالم.

وتتبنى صحيفة غلوبال تايمز الصينية قراءة ناقدة لدعوة أمودي، معتبرة أن الربط بين السلامة وفرض قيود على الصين يكشف تداخلًا واضحًا بين المخاوف التقنية والمصالح التجارية.

فالرئيس التنفيذي لأنثروبيك لم يكتف بالدعوة إلى إجراء تقييمات مستقلة وتعزيز التعاون الدولي، بل طالب أيضًا بتقييد وصول الصين إلى الرقائق المتقدمة ومعدات تصنيع أشباه الموصلات، إلى جانب الحوسبة والنماذج المتقدمة، بما يؤدي، وفق تقديره، إلى إبطاء الصين وتوسيع أفضلية الولايات المتحدة خلال فترة تتراوح بين 3 و5 سنوات.

ونقلت الصحيفة عن الخبير في سياسات الاتصالات والتكنولوجيا شيانغ لي غانغ قوله إن هذا الطرح يحمل تناقضًا، فهو يتحدث عن الحاجة إلى التعاون مع الصين من أجل الوصول إلى تنظيم عالمي فعال، بينما يدعو في الوقت نفسه إلى إضعاف قدراتها التقنية.

كما نقلت عن شياو تشيان، نائبة عميد معهد الحوكمة الدولية للذكاء الاصطناعي بجامعة تشينغهوا، أن صعود النماذج الصينية مفتوحة المصدر يمثل منافسة مباشرة لمسار النماذج المغلقة الذي تمثله أنثروبيك، خصوصًا من حيث التكلفة والأداء ومدى انتشارها بين المطورين.

ومن هذا المنظور، يمكن أن تتحول السلامة إلى وسيلة لرفع حواجز الدخول إلى السوق، وتعزيز موقع الشركات التي تمتلك الحوسبة والتمويل والقدرة على تحمل تكاليف الالتزام بالمعايير الجديدة.

لكن انتقاد الصين للقيود الأمريكية لا يعني تجاهل المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، فقد نقلت صحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست عن وزير أمن الدولة الصيني تشن ييشين وصفه الذكاء الاصطناعي بأنه ساحة جديدة للمنافسة الإستراتيجية بين القوى الكبرى.

وحذر الوزير من إمكانية استخدام هذه التقنيات في التضليل والهجمات السيبرانية، إضافة إلى جمع بيانات الدولة الحساسة والأسرار التجارية والمعلومات الشخصية من خلال أدوات التنقيب عن البيانات والزحف الذكي وبناء الملفات التعريفية.

وفي هذا السياق، تتوسع رؤية الحوكمة الصينية لتشمل حماية البنية التحتية المعلوماتية، ومنع تسرب البيانات المحلية من خلال أدوات الذكاء الاصطناعي الأجنبية، إلى جانب الحد من الثغرات الموجودة في بعض الوكلاء مفتوحي المصدر.

وفي الوقت نفسه، ترفض بكين ما تصفه بالقيود التقنية الإقصائية على إمدادات الرقائق المتقدمة والاستثمارات الرقمية والأسواق المفتوحة والقدرات الإنتاجية، وتدعو إلى نظام دولي عادل ومفتوح لقواعد الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى تعاون متعدد الأطراف يساهم في بناء القدرات التقنية لدى دول الجنوب العالمي.

وفي هذا الإطار، وقعت 29 دولة في شنغهاي خلال يوليو 2026 اتفاقية لإنشاء المنظمة العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي، وايكو، وهي منظمة بادرت الصين إلى تأسيسها وتتخذ من شنغهاي مقرًا لها، وتقول بكين إن من بين أولوياتها دعم بناء قدرات دول الجنوب العالمي وتعزيز مشاركتها في الحوكمة الدولية للذكاء الاصطناعي.

وتكشف هذه المواقف أن الخلاف لا يتعلق فقط بمبدأ السلامة أو الحد من مخاطر الذكاء الاصطناعي، بل يمتد أيضًا إلى سؤال أكثر حساسية، وهو من يضع معايير هذه السلامة، وما الأهداف التي يمكن أن تخدمها تلك المعايير.

فالاختبارات المستقلة، والإبلاغ عن الحوادث، ومعايير أمن النماذج، وحماية البيانات، كلها أمور تفرضها القدرات المتقدمة للذكاء الاصطناعي وتزايد المخاوف المرتبطة بها.

لكن عندما تقترن هذه الإجراءات بتقييد الرقائق والحوسبة والنماذج بهدف الحفاظ على فجوة إستراتيجية بين القوى الكبرى، فإنها تنتقل من مجرد حوكمة للمخاطر إلى أداة يمكن أن تؤثر في شكل المنافسة الجيوسياسية نفسها.

وفي النهاية، فإن الحوكمة الناضجة للذكاء الاصطناعي لا تتمثل فقط في تحديد الجهات التي يحق لها تطوير هذه التقنيات، بل في ضمان بقاء السيطرة النهائية بيد البشر، والتأكد من ألا تتحول السلامة إلى وسيلة أخرى للاحتكار أو الاحتواء تحت غطاء حماية المستخدم والمجتمع.

التعليقات

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لضمان حصولك على أفضل تجربة.