أحدث الأخبار

الذكاء الاصطناعي يقتحم أصعب مسائل الرياضيات

صفحة فيسبوك
تابع الآن
إكس (تويتر)
تابع على X
ثريدز
تابع الآن
قناة واتساب
انضم الآن


 لسنوات طويلة، بقي حل المسائل الرياضية الكبرى حكرًا على العقول البشرية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بأسئلة مفتوحة لا يكفي فيها إجراء حسابات معقدة، بل تحتاج إلى ابتكار أفكار وطرق جديدة للتفكير. لكن عام 2026 حمل معه تطورات لافتة دفعت الذكاء الاصطناعي إلى مساحة مختلفة تمامًا، بعدما بدأت نماذج متقدمة في تقديم حلول واكتشافات جديدة لمسائل ظل بعضها مفتوحًا لعقود طويلة.

وفي واحدة من أحدث الخطوات، أعلنت OpenAI عن حل تزعم أنه يتعامل مع واحدة من أصعب مسائل الرياضيات في العالم، وهي مسألة Navier–Stokes، التي ظلت من دون حل كامل لنحو 90 عامًا، لتعيد بذلك فتح النقاش حول مدى قدرة الذكاء الاصطناعي على المشاركة في الاكتشاف الرياضي الحقيقي.

وتعد مسألة وجود وانتظام معادلات Navier–Stokes واحدة من مسائل الألفية السبع التي اختارها معهد كلاي للرياضيات عام 2000، مع تخصيص جائزة قدرها مليون دولار لحل كل واحدة منها. وترجع جذور هذه المسألة إلى المعادلات التي وضعها العالم الفرنسي كلود نافير والعالم البريطاني جورج ستوكس في القرن التاسع عشر، بينما بقي السؤال الرياضي الأكثر تعقيدًا متعلقًا بإمكانية ظهور تفردات في حركة السوائل ثلاثية الأبعاد من دون إجابة نهائية.

وتستخدم معادلات Navier–Stokes في وصف حركة السوائل والغازات، كما تدخل في مجالات مختلفة مثل تصميم الطائرات والتنبؤ بالطقس ودراسة تدفق الدم. لكن جوهر المشكلة الرياضية يتمثل في معرفة ما إذا كانت الحلول التي تبدأ بصورة ناعمة ومنتظمة يمكن أن تصل خلال فترة زمنية محدودة إلى حالة تصبح فيها السرعة غير محدودة من الناحية الرياضية.

وفي 8 سبتمبر 2026، أعلنت OpenAI أنها توصلت إلى برهان لهذه المشكلة باستخدام نظام ذكاء اصطناعي داخلي أكثر قدرة من نماذجها العامة، وقالت إن نحو 10 آلاف وكيل ذكاء اصطناعي عملوا بالتوازي على المشكلة، قبل أن تصل المنظومة إلى الحل بعد نحو 88 ساعة، ثم استغرق التحقق الرسمي باستخدام لغة Lean نحو 17 ساعة إضافية.

وبحسب OpenAI، فإن البرهان يثبت إمكانية ظهور تفرد في معادلات Navier–Stokes تحت شروط محددة، وهو ما يعني أن المسألة يمكن حسمها من خلال إثبات أن هذا الانهيار الرياضي ممكن بالفعل. لكن الإعلان لا يعني بالضرورة أن الجدل انتهى، فالنتيجة ما زالت بحاجة إلى تدقيق مستقل من المجتمع الرياضي، كما أثارت بالفعل نقاشًا حول أولوية بعض الأفكار البحثية ومصادر المعرفة التي اعتمدت عليها أنظمة الذكاء الاصطناعي.

وقبل إعلان Navier–Stokes، ظهر اختراق آخر في مجال الرياضيات البحتة، بعدما أعلنت OpenAI في مايو 2026 أن أحد نماذجها تمكن من دحض تخمين المسافة الواحدة لإردوش، وهي مسألة طرحها عالم الرياضيات المجري بول إردوش عام 1946.

ويبدو السؤال بسيطًا للوهلة الأولى، فإذا وضعنا عددًا من النقاط على مستوى ثنائي الأبعاد، فما أكبر عدد ممكن من الأزواج التي تكون المسافة بين كل زوج منها مساوية تمامًا لوحدة واحدة. لكن بساطة السؤال أخفت وراءها مشكلة عميقة في الهندسة التوافقية، وظل الرياضيون يعملون عليها لنحو 80 عامًا.

واللافت أن الذكاء الاصطناعي لم يكتف بتقديم تقريب عددي أو البحث السريع بين مجموعة من الاحتمالات، بل ساعد في اكتشاف بناء رياضي جديد أدى إلى دحض التخمين نفسه، وهو ما فتح المجال أمام تقنيات جديدة في نظرية الأعداد والهندسة التوافقية، وفقًا لما أعلنته OpenAI.

ولم تتوقف التطورات عند مسألة إردوش، ففي أغسطس أعلنت OpenAI عن مجموعة من 10 نتائج رياضية قالت إن أنظمتها حققت فيها حلولًا أو تقدمًا جوهريًا، بينها نتائج مرتبطة بمسائل أخرى لإردوش، إضافة إلى مسائل في أعداد رامزي ونظرية الرسوم البيانية، وهو ما يعكس تحول استخدام الذكاء الاصطناعي من محاولة حل مسألة منفردة إلى البحث بصورة أكثر منهجية عن حلول لمسائل رياضية مفتوحة.

ويبدو أن الذكاء الاصطناعي لا يكتفي الآن بمهاجمة المسائل القديمة، بل بدأ يدخل إلى مساحة العمل الفعلية للرياضيين من خلال تجارب تحاول اختبار قدرته على القيام بجزء من العمل الذي يقوم به الباحث المتخصص.

ومن أبرز هذه التجارب مشروع First Proof، الذي جمع مسائل رياضية بحثية حقيقية ظهرت أثناء عمل علماء رياضيات متخصصين، وبعض هذه المسائل ظل مفتوحًا لسنوات قبل أن يتمكن واضعوها من حلها. وبعد ذلك جرى تقديمها لأنظمة الذكاء الاصطناعي من دون نشر حلولها على الإنترنت مسبقًا، بهدف تقليل فرصة وصول النماذج إلى الإجابات من خلال التدريب أو البحث التقليدي.

وفي الجولة الثانية من المشروع، جرى اختبار 10 مسائل بحثية متخصصة، وأظهرت النتائج أن أفضل الأنظمة تمكنت من الوصول إلى إجابات صحيحة أو شبه صحيحة في نحو 6 أو 7 مسائل من أصل 10. لكن التجربة كشفت في الوقت نفسه عن مشكلة مهمة، وهي أن بعض البراهين التي تنتجها النماذج تبدو مقنعة جدًا، بينما تحتاج إلى مراجعة رياضيين متخصصين لاكتشاف الأخطاء الموجودة فيها.

وفي يوليو 2026، فاز فريق من ETH Zurich بتحدي First Proof بعدما تمكن نظامه القائم على وكلاء الذكاء الاصطناعي من حل 6 مسائل من أصل 10، متفوقًا على أنظمة قدمتها جهات أخرى بينها OpenAI وUCLA وPrinceton. وأشار الفريق إلى أن النظام نجح خلال مرحلة الإعداد في حل عدد من المسائل التي لم تكن قد حُلت من قبل.

حتى مبرهنة فيرما الشهيرة بدأت تدخل هي الأخرى عصر الذكاء الاصطناعي، لكن بطريقة مختلفة. فالذكاء الاصطناعي هنا لم يكن مطالبًا بإعادة اكتشاف حل مسألة سبق أن حلها البشر، وإنما بالمساعدة في تحويل براهين بشرية معقدة إلى صيغة يمكن للحاسوب التحقق منها بصورة رسمية.

وتعد مبرهنة فيرما الأخيرة من أشهر الأمثلة على ذلك، فقد طرحها بيير دي فيرما في القرن السابع عشر وظلت دون برهان حتى تمكن أندرو وايلز من إثباتها في تسعينيات القرن الماضي بعد عمل رياضي ضخم. لكن تقارير حديثة تحدثت عن تمكن نظام ذكاء اصطناعي تابع لـAnthropic من المساعدة في تحويل البرهان إلى صيغة رسمية قابلة للتحقق الآلي خلال فترة قصيرة نسبيًا.

وهنا يظهر اختلاف مهم، فالذكاء الاصطناعي لم يحل مبرهنة فيرما للمرة الأولى، وإنما تعامل مع مهمة أخرى تتمثل في جعل برهان بشري شديد التعقيد قابلًا للفحص الرسمي خطوة بخطوة، وهو اتجاه قد يصبح من أبرز استخدامات الذكاء الاصطناعي في الرياضيات خلال السنوات المقبلة.

ومن إردوش إلى Navier–Stokes، يبدو أن ما يحدث يتجاوز مجرد مجموعة من القصص المنفصلة. فقد وجدت دراسة حديثة حللت 32,944 بحثًا رياضيًا منشورًا على منصة arXiv بين مارس وأغسطس 2026 أن 3,575 بحثًا أفصح عن استخدام الذكاء الاصطناعي، بينما تضمنت 1,712 ورقة مساهمة رياضية جوهرية من أنظمة الذكاء الاصطناعي.

والأكثر إثارة أن الباحثين رصدوا 717 مسألة مفتوحة ارتبطت باستخدام الذكاء الاصطناعي، ووصف أصحاب 71% منها بأنها حُلّت بالكامل، مع التأكيد أن هذا التوصيف جاء من الباحثين أنفسهم، ولا يعني بالضرورة وجود إجماع رياضي مستقل على كل نتيجة.

وهذا يعكس تحولًا واضحًا في دور الذكاء الاصطناعي، فلم يعد مجرد أداة لإجراء الحسابات أو شرح النظريات، بل بدأ يستخدم لاقتراح الأفكار، واستكشاف مسارات جديدة، وتجربة أعداد ضخمة من الفرضيات، وربط نتائج من مجالات مختلفة، ثم تقديم براهين يستطيع الإنسان مراجعتها والتحقق منها.

لكن هذه القوة تفتح سؤالًا أكثر تعقيدًا من مجرد معرفة ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على حل الرياضيات، وهو ما إذا كان البشر سيتمكنون من فهم الرياضيات التي يكتشفها الذكاء الاصطناعي.

وفي حالة Navier–Stokes، احتاجت المنظومة إلى ملايين الرسائل بين الوكلاء ومئات المليارات من الرموز للوصول إلى النتيجة، بينما أصبحت بعض البراهين التي تنتجها النماذج طويلة ومعقدة إلى درجة تجعل تتبع الفكرة الأساسية من جانب الإنسان أمرًا صعبًا.

ولهذا يرى عدد من الرياضيين أن المرحلة المقبلة لن تكون مجرد سباق لمعرفة ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على حل مسائل أكثر صعوبة، وإنما ستكون محاولة لفهم الطريقة التي يعمل بها النظام، وكيف يمكن تحويل النتائج التي ينتجها إلى معرفة رياضية يستطيع البشر استخدامها والبناء عليها.

ومع استمرار بعض الادعاءات الحديثة، وعلى رأسها إعلان Navier–Stokes، في انتظار التدقيق المستقل، فإن الاتجاه العام يبدو واضحًا، فالمسائل التي كانت تحتاج في الماضي إلى سنوات من العمل من جانب فرق من الرياضيين أصبحت تدخل الآن ضمن نطاق تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي مهاجمته خلال ساعات أو أيام، وهو تحول قد يغير الطريقة التي تُكتشف بها الرياضيات وتُفهم في المستقبل.

التعليقات

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لضمان حصولك على أفضل تجربة.