أحدث الأخبار

مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي ترفع حرارة الأحياء السكنية

صفحة فيسبوك
تابع الآن
إكس (تويتر)
تابع على X
ثريدز
تابع الآن
قناة واتساب
انضم الآن


 تتحول مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي إلى مصدر جديد للحرارة داخل المدن، مع توسعها السريع واحتياجها إلى كميات ضخمة من الكهرباء لتشغيل آلاف الخوادم على مدار الساعة، وتشير دراسات حديثة إلى أن تأثير هذه الحرارة قد لا يتوقف عند حدود المنشآت، بل يمكن أن يمتد إلى الأحياء السكنية المحيطة لمسافات تصل إلى 500 متر في اتجاه الرياح.

وتستهلك بعض مراكز البيانات أكثر من 50 ميغاواط من الكهرباء، وتتحول هذه الطاقة في معظمها إلى حرارة مهدرة يتم إطلاقها في الهواء عبر أنظمة التبريد الموجودة في المنشآت، وهو حجم من الحرارة يعادل ما تنتجه نحو 54 ألف وحدة سكنية.

وأظهرت أبحاث حديثة أن أعمدة الهواء الساخن الناتجة عن مراكز البيانات يمكن أن تمتد لأكثر من 90 مترا خارج حدود المنشأة في ظروف رياح معينة، كما رصدت دراسات ارتفاعا في درجات الحرارة لمسافات تصل إلى 500 متر باتجاه الرياح، ما قد يدفع السكان القريبين إلى زيادة استخدام أجهزة التكييف واستهلاك المزيد من الكهرباء.

وتزداد المشكلة وضوحا مع بناء مراكز البيانات داخل تجمعات حضرية كثيفة وقريبة من المناطق السكنية، خصوصا في المدن التي تعاني أصلا من درجات حرارة مرتفعة.

وفي فينيكس الأميركية، حيث يصل متوسط درجة الحرارة خلال سبتمبر إلى نحو 38 درجة مئوية، أظهرت إحدى الدراسات أن المناطق الواقعة في اتجاه الرياح الخارجة من مركز بيانات تابع لشركة سايرس ون سجلت درجات حرارة أعلى بما يصل إلى 4 درجات فهرنهايت مقارنة بالمناطق الواقعة في الجهة المقابلة.

وشبه ديفيد سايلور، مدير كلية العلوم الجغرافية والتخطيط الحضري بجامعة أريزونا الحكومية وقائد الدراسة، مركز البيانات بحاسوب محمول ضخم، موضحا أن الأحياء المحيطة به تتحمل فعليا جزءا من الحرارة التي ينتجها هذا الجهاز الكبير بصورة مستمرة.

وأوضح سايلور أن كمية الحرارة الناتجة يمكن تشبيهها بتشغيل مئات الآلاف من مراوح الحواسيب داخل مكتب واحد، في صورة تعكس حجم الطاقة الحرارية التي يتم ضخها باستمرار إلى البيئة المحيطة.

ويرى الباحثون أن هذه الحرارة غير المرئية قد تصبح عاملا إضافيا في تعزيز ظاهرة الجزر الحرارية الحضرية، وهي الظاهرة التي تجعل المدن أكثر حرارة من المناطق الريفية المحيطة بها.

كما حذر الباحثون من أن الأحمال الحرارية الإضافية قد تزيد من آثار تغير المناخ، خصوصا في مناطق مثل فينيكس التي سجلت خلال العامين الماضيين أعلى درجات حرارة في تاريخها، إلى جانب إمكانية تأثيرها على النظم البيئية المحلية وأنماط الرطوبة وتكوين السحب وهطول الأمطار.

ومع التوسع في مشاريع الذكاء الاصطناعي، بدأت المعارضة المجتمعية لمراكز البيانات تتزايد بسبب احتياجاتها الكبيرة من الأراضي والمياه والكهرباء، إضافة إلى المخاوف المتعلقة بتأثيراتها البيئية.

وأظهر استطلاع أجرته مؤسسة جالوب أن 7 من كل 10 أميركيين يعارضون إنشاء مركز بيانات بالقرب من أماكن سكنهم، بينما أدت هذه المعارضة إلى تعليق أو تأجيل ما لا يقل عن 45 مشروعا بقيمة تقارب 68 مليار دولار خلال الفترة بين أبريل ويونيو، وفقا لبيانات مجموعة داتا سنتر ووتش المتخصصة في متابعة مشاريع الذكاء الاصطناعي.

كما اتخذت ولايات مثل نيويورك وتكساس إجراءات لتعليق بعض المشاريع، في حين يناقش الكونغرس مشاريع تشريعية مشابهة، ما يعكس اتساع النقاش حول تأثير مراكز البيانات على المجتمعات المحيطة بها.

وقال إريك رونستراند، أحد أبرز المعارضين لمراكز البيانات في منطقة فينيكس، إن قضية الحرارة أصبحت المحرك الأهم للاعتراضات الجديدة، مشيرا إلى أن عددا من السكان لا يبحثون عن حلول وسط بقدر ما يرفضون إقامة هذه المنشآت من الأساس.

واعتمدت دراسة سايلور على أجهزة استشعار مثبتة فوق سيارات تتحرك في محيط مراكز البيانات، وأظهرت أن درجات الحرارة بالقرب من 4 مواقع في فينيكس كانت أعلى بنحو 1.3 إلى 1.6 درجة فهرنهايت في اتجاه الرياح مقارنة بالمناطق المقابلة.

ورغم أن الدراسة محدودة وشملت 4 مواقع فقط خلال 3 أيام، خلص الباحثون إلى أن الحرارة الناتجة عن مراكز البيانات قد تصبح سمة متكررة في توسع المدن خلال القرن الحادي والعشرين، مع استمرار ارتفاع الطلب على قدرات الحوسبة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

من جانبها، قالت شركة سايرس ون إنها تصمم منشآتها بهدف الحد من امتصاص الحرارة، من خلال استخدام أسطح عاكسة للضوء وأنظمة لاستعادة الحرارة في بعض المواقع، لكنها أوضحت أن إعادة تدوير الحرارة ليست متاحة في جميع منشآتها.

وفي المقابل، يرى مطورو مراكز البيانات أن تحديد مقدار الحرارة الناتجة عن المنشأة نفسها يظل أمرا معقدا، خصوصا مع وجود مصادر أخرى للحرارة في المناطق المحيطة مثل مواقف السيارات والمباني التجارية.

لكن دان لي، الأستاذ المشارك في جامعة بوسطن، والذي راجع أكثر من 500 دراسة تناولت الحرارة الناتجة عن الأنشطة البشرية، أكد أن كثافة الحرارة الصادرة عن مراكز البيانات تتجاوز بكثير المستويات التي وثقها الباحثون تاريخيا في دراسات الجزر الحرارية داخل المدن.

وأوضح أن أعلى كثافة حرارية رصدها سابقا بلغت نحو 1600 واط لكل متر مربع في حي شينجوكو المزدحم في طوكيو، وهو مستوى لا يمثل سوى ربع الكثافة التي رصدتها الدراسة داخل مراكز بيانات فينيكس.

وتتفاقم هذه المشكلة مع تسارع بناء مراكز البيانات بالتزامن مع طفرة الذكاء الاصطناعي، الأمر الذي رفع استهلاك الطاقة والبصمة الحرارية للقطاع إلى مستويات غير مسبوقة.

وقال تيبو ديغور من شركة إيوليوس إنجنيرينغ الاستشارية إن عدد مراكز البيانات يتزايد بسرعة، في الوقت الذي ترتفع فيه القدرة الحرارية لكل موقع بشكل ملحوظ، ما يؤدي إلى مضاعفة حجم الحرارة التي يتم إطلاقها في البيئة المحيطة.

وأظهرت نماذج محاكاة أجرتها الشركة أن مركز بيانات تتراوح قدرته بين 50 و100 ميغاواط يمكن أن يرفع درجات الحرارة بين 4.5 و9 درجات فهرنهايت على مسافة تصل إلى 500 قدم في اتجاه الرياح.

وتصبح التأثيرات أكثر وضوحا عندما تتجمع مراكز البيانات في مناطق متقاربة، إذ يقع نحو ثلث مراكز البيانات الأميركية ضمن تجمعات تضم 3 مراكز أو أكثر، بينما تقع غالبية هذه التجمعات بالقرب من المناطق الحضرية.

ومن المتوقع إنشاء 23 تجمعا جديدا بحلول عام 2040، بطاقة تصل إلى نحو 33 غيغاواط، وهو ما يمثل أكثر بقليل من 11% من إجمالي القدرة المخطط لها في الولايات المتحدة.

وفي حال تنفيذ جميع المشاريع المقترحة، قد يرتفع استهلاك قطاع مراكز البيانات للطاقة إلى أكثر من 290 غيغاواط، أي ما يعادل نحو 4 أضعاف مستواه الحالي، وهو ما يضيف مزيدا من الضغط على شبكات الطاقة ويزيد من حجم الحرارة الناتجة عن هذه المنشآت.

وفي أوروبا، بدأت بعض الدول في التعامل مع الحرارة المهدرة باعتبارها موردا يمكن الاستفادة منه بدلا من التخلص منه، من خلال شبكات طاقة حرارية تنقل المياه الساخنة أو البخار إلى المباني والمصانع القريبة.

ومن المقرر أن يبدأ مركز بيانات تابع لمايكروسوفت في فنلندا خلال العام المقبل بتزويد نحو 250 ألف منزل وشركة بالحرارة المهدرة، بما يغطي 40% من احتياجات المنطقة ويساعد في إغلاق آخر محطة تدفئة تعمل بالفحم.

كما أظهرت دراسات في بريطانيا أن مراكز البيانات قد تنتج بحلول 2035 كمية من الحرارة تكفي لتدفئة أكثر من 6 ملايين منزل.

وفرضت فرنسا وألمانيا بالفعل متطلبات تتعلق بإعادة استخدام الحرارة المهدرة، بينما ألزم الاتحاد الأوروبي مطوري مراكز البيانات التي تتجاوز قدرتها 1 ميغاواط بتقييم إمكانية استعادة هذه الحرارة والاستفادة منها.

ويرى مشغلو القطاع أن إعادة توجيه الحرارة المهدرة يمكن أن تساعد في خفض فواتير الطاقة للمستهلكين وتقليل الضغط على شبكات الكهرباء، إلى جانب تقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري.

ومع تصاعد المخاوف، بدأت بعض السلطات المحلية في مراجعة قواعد ترخيص مراكز البيانات، وهي قواعد وضعت في وقت كانت فيه هذه المنشآت تستهلك كميات أقل بكثير من الطاقة.

وأقرت ولاية فرجينيا قانونا يلزم المطورين بدراسة إمكانات إعادة استخدام الحرارة، بينما يتوقع خبراء الطاقة أن تتجه ولايات أخرى إلى تبني متطلبات مشابهة خلال السنوات المقبلة.

ومع استمرار توسع الذكاء الاصطناعي، يرجح الباحثون أن تعديل تصميم مراكز البيانات وأنظمة التبريد، إلى جانب إيجاد طرق للاستفادة التجارية من الحرارة المهدرة، سيكون من أبرز الحلول المطروحة للتعامل مع أحد الآثار الجانبية غير المتوقعة لهذا النمو السريع.

التعليقات

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لضمان حصولك على أفضل تجربة.