حذر الكاتب الأمريكي توماس فريدمان من أن العالم قد يكرر مع الذكاء الاصطناعي أخطاء سابقة نتجت عن عدم القدرة على تخيل حجم الكوارث قبل وقوعها، داعيا الولايات المتحدة والصين إلى التحرك معا للتعامل مع مخاطر هذه التقنية قبل أن تتحول إلى أزمة يصعب السيطرة عليها.
واستعاد فريدمان في مقال رأي نشرته صحيفة نيويورك تايمز تصريحا للرئيس الأمريكي دونالد ترمب في فبراير 2020، عندما توقع أن يختفي فيروس كورونا مع ارتفاع درجات الحرارة، معتبرا أن جائحة كوفيد 19 وهجمات 11 سبتمبر 2001 تكشفان مشكلة مشتركة تتمثل في فشل المؤسسات في تصور السيناريوهات الكارثية بصورة واقعية قبل حدوثها.
وأوضح الكاتب أن الخبراء والحكومات ربما امتلكوا خططا نظرية للتعامل مع تلك الأزمات، لكنهم لم يتمكنوا من تصور حجمها الحقيقي والنتائج المدمرة التي يمكن أن تترتب عليها عند وقوعها، ويرى أن العالم يواجه اليوم مشكلة مشابهة مع الذكاء الاصطناعي، خصوصا مع تطور قدراته بسرعة ووصوله إلى مجالات شديدة الحساسية.
ويشير فريدمان إلى أن الخطر المرتبط بالذكاء الاصطناعي أكثر تعقيدا، لأن التقنية تتقدم بوتيرة سريعة في الوقت الذي تتوسع فيه قدرتها على الوصول إلى قطاعات ومجالات حساسة، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى قدرة البشر على فهم كل ما تستطيع النماذج المتقدمة القيام به.
كما شكك في مدى امتلاك شركات التكنولوجيا الكبرى في الولايات المتحدة والصين فهما كاملا لقدرات النماذج التي طورتها، محذرا من أن بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي بدأت تظهر خصائص قد تجعلها مصدرا محتملا لزعزعة الاستقرار.
ويرى الكاتب أن شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى في البلدين لا تقدم للجمهور مستوى كافيا من الشفافية، بل إن بعض هذه الشركات نفسها قد لا تمتلك فهما شاملا لقوة وقدرات النماذج المتقدمة التي تطورها داخل مختبراتها، وشبه الوضع بسحرة أطلقوا قوى كبيرة ثم وجدوا أنفسهم أمام صعوبة في التحكم بها.
وانتقل فريدمان إلى انتقاد البيئة السياسية المحيطة بهذه التكنولوجيا، مشيرا إلى أن الإدارة الأمريكية الحالية، التي يعتمد رئيسها في إدارة شؤون البلاد وتوجيه السياسات بدرجة كبيرة على منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، تبدو من وجهة نظره غير مهيأة لفرض منظومة حوكمة شاملة ومستدامة للتعامل مع المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
كما أشار إلى أن التنافس الجيوسياسي والاقتصادي بين واشنطن وبكين، إلى جانب حالة انعدام الثقة العميقة بين البلدين، يجعل الوصول إلى تعاون ثنائي واسع أمرا بالغ الصعوبة، معتبرا أن الأمر قد يحتاج إلى تحول كبير حتى تتمكن القوتان من العمل معا لمواجهة المخاطر القادمة.
ومع ذلك، لم يكتف فريدمان بالتحذير من المخاطر، بل طرح مسارا يقوم على خطوتين رئيسيتين، تبدأ الأولى بتحرك الولايات المتحدة والصين بشكل فوري لتوحيد الجهود الدفاعية وحماية البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك شبكات المياه والطاقة والإنترنت، من الهجمات السيبرانية على المستويين المحلي والعالمي.
أما الخطوة الثانية فتتمثل في الجلوس مع كبرى شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ووضع استراتيجية طويلة الأمد توازن بين استمرار المنافسة التكنولوجية من جهة، وفرض ضوابط داخلية صارمة وموحدة من جهة أخرى، بهدف الحد من قدرة الأنظمة المتقدمة على التسبب في مخاطر كارثية في المجالات النووية والبيولوجية والسيبرانية والمالية.
ويصف فريدمان هذا التحدي بأنه من أكبر وأكثر التحديات تعقيدا التي تواجه جيل الدبلوماسيين وقادة الولايات المتحدة والصين، محذرا من أن تجاهله قد يقود إلى مخاطر استراتيجية شديدة الخطورة.
ودعم الكاتب رؤيته بآراء عدد من الخبراء، من بينهم عالم السياسة فرانسيس فوكوياما، الذي يرى أن الذكاء الاصطناعي يمكن استخدامه لأغراض إيجابية أو سلبية، بينما لا توجد في الوقت الحالي آليات كافية لتنظيم الاستخدامات الضارة، باستثناء الاعتماد إلى حد كبير على حسن نوايا مطوري التكنولوجيا.
كما استشهد فريدمان برؤية إريك بينهوكر من جامعة أكسفورد، الذي يدافع عن تنظيم الذكاء الاصطناعي باعتباره وسيلة لبناء الثقة وليس عائقا أمام الابتكار، مشيرا إلى أن التنظيم الجيد يمكن أن يعزز الثقة، والثقة بدورها تساعد على نمو الأسواق، مستشهدا بصناعتي الطيران والأدوية كنموذجين استفادا من الرقابة الحكومية في تعزيز ثقة المستهلكين.
واستخدم بينهوكر تعبيرا لافتا عندما قال إن داروين أطلق داخل وادي السيليكون، في إشارة إلى تشارلز داروين ونظرية التطور، وربطا بالقدرات التي قد تمتلكها بعض نماذج الذكاء الاصطناعي على التحسن والتطور والحفاظ على نفسها، وهي قدرات تتطور بحسب وصفه بسرعة تفوق سرعة البشر.
ويرى فريدمان أيضا أن الذكاء الاصطناعي قد يتجاوز مفهوم التكنولوجيا التقليدية، مستشهدا بوصف عالم الكمبيوتر كريغ موندي لهذه التقنية بأنها نوع جديد من الكيانات.
وتزداد المخاوف مع انتقال الذكاء الاصطناعي من البرمجيات إلى الروبوتات والطائرات المسيّرة والمركبات، وهو ما دفع فريدمان إلى تأييد إبقاء الإنسان داخل دائرة التحكم وعدم منح الأنظمة استقلالية كاملة قبل توافر ضمانات كافية للتعامل مع المخاطر المحتملة.
وفي سياق حديثه عن الاستعداد للمستقبل، استعاد الكاتب مقولة للرئيس الأمريكي الأسبق دوايت آيزنهاور، التي تفرق بين قيمة الخطط وأهمية التخطيط، معتبرا أن الاستعداد المنهجي للأزمات هو ما يمنح المؤسسات قدرة أكبر على التعامل مع أحداث غير متوقعة.
وفي أكثر أجزاء مقاله حدة، حذر فريدمان من احتمال خروج وكلاء الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، مشيرا إلى أن مجرد تصور أنظمة أكثر ذكاء وخطورة بألف مرة من خصوم بشريين يمكن أن تنفلت من السيطرة يستحق التعامل معه بجدية قبل وقوع أي كارثة، وليس بعد فوات الأوان.

إرسال تعليق