أحدث الأخبار

الذكاء الاصطناعي يفتح جبهة جديدة في حروب التأثير

صفحة فيسبوك
تابع الآن
إكس (تويتر)
تابع على X
ثريدز
تابع الآن
قناة واتساب
انضم الآن


 لم تعد الحروب الحديثة تعتمد على الأسلحة والجيوش وحدها، فهناك معارك أخرى تدور بعيدًا عن ساحات القتال، وتتحرك خلف الشاشات بهدف التأثير في الرأي العام وتغيير تصورات الناس تجاه الحكومات والأحداث السياسية والصراعات الدولية. ومع تطور الذكاء الاصطناعي، أصبحت صناعة المحتوى المضلل وإدارة الحسابات الوهمية أسهل وأكثر قابلية للتوسع، ما يتيح تنفيذ حملات تأثير عبر الحدود دون الحاجة إلى تحريك جندي واحد.

وتكشف تقارير وتحقيقات دولية عن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في إنتاج مواد دعائية وصياغة روايات مضللة، إلى جانب انتحال هويات مؤسسات إعلامية وشخصيات عامة، ضمن عمليات تستهدف النقاش العام وتستغل الانقسامات الموجودة داخل المجتمعات. وفي هذا النوع من الصراعات، لا يكون الهدف السيطرة على أرض محددة، بل التأثير في المعلومات التي تصل إلى الناس، والثقة التي يمنحونها للمؤسسات، والطريقة التي يفسرون بها الأحداث من حولهم.

ومن أبرز التغييرات التي أحدثها الذكاء الاصطناعي في هذا المجال تقليل الوقت والجهد اللازمين لإنتاج المحتوى وتوزيعه على نطاق واسع، فبدل الحاجة إلى فرق كبيرة لإعداد منشورات ومواد إعلامية بلغات مختلفة، يمكن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لصياغة المقالات والتعليقات وإنشاء الصور والمقاطع الصوتية، ثم تكييف هذه المواد بما يناسب جمهور كل دولة أو منصة.

ويوضح تقرير صادر عن مؤسسة Graphika المتخصصة في تحليل التهديدات الرقمية، بعنوان حيل رخيصة، كيف يغذي المحتوى الرديء المنتج بالذكاء الاصطناعي حملات التأثير، أن هذه الأدوات ساعدت على رفع سرعة إنتاج المحتوى المستخدم في حملات التأثير وزيادة حجمه، لكنها لم تؤد بالضرورة إلى تحسين جودته أو قدرته على إقناع الجمهور.

وتكشف هذه النتيجة جانبًا مهمًا من خطورة التقنية، فالمشكلة لا ترتبط دائمًا بإنتاج محتوى متقن يصعب اكتشافه، وإنما قد تتمثل أيضًا في القدرة على إغراق المنصات بكميات هائلة من الرسائل المتشابهة. ولا تقتصر هذه الأساليب على نشر الأخبار الكاذبة بشكل مباشر، بل يمكن أن تشمل إنشاء حسابات تحمل شخصيات وهمية، وكتابة تعليقات تبدو وكأنها صادرة عن مواطنين عاديين، أو تشغيل مواقع تنتحل صفة مؤسسات إعلامية.

ومع تكرار الرسائل وتوزيعها عبر منصات مختلفة، قد يظهر المحتوى وكأنه يعكس توجهًا عامًا داخل المجتمع، بينما تكون الحسابات التي تروجه جزءًا من عملية منسقة، ما يجعل الصورة أمام المستخدم مختلفة عن الواقع الذي يقف خلفها.

ولا تعتمد عمليات التأثير على الذكاء الاصطناعي وحده، إذ تكشف تقارير شركات التكنولوجيا والتحقيقات الرقمية عن منظومات تجمع بين أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي والحسابات الاجتماعية والمواقع الإلكترونية وأساليب توزيع المحتوى. وهنا يظهر عامل التمويل، الذي يمكن أن يساعد في تنظيم فرق العمل وشراء الخدمات الإعلانية وإدارة مواقع وحسابات متعددة، إلى جانب توسيع نطاق نشر الرسائل المستهدفة.

وفي مايو 2024، أعلنت شركة OpenAI تعطيل حسابات مرتبطة بعملية تأثير أطلقت عليها اسم Zero Zeno، وقالت إن شركة لإدارة الحملات السياسية في إسرائيل أدارتها. ووفقًا لتحقيق الشركة، استُخدمت نماذج الذكاء الاصطناعي في إعداد مقالات وتعليقات لمنصات التواصل الاجتماعي، إلى جانب إنشاء شخصيات وسير ذاتية خيالية لحسابات رقمية.

واستهدفت العملية جماهير في دول متعددة، وتناولت موضوعات سياسية ودولية مختلفة، لكن تقرير OpenAI أشار إلى أن العملية لم تحقق تفاعلًا يُذكر من الجمهور الحقيقي خارج الحسابات غير الأصيلة المرتبطة بها.

وتوضح هذه الحالة أن امتلاك التمويل والأدوات التقنية لا يعني بالضرورة نجاح حملة التأثير في إقناع الجمهور أو تغيير مواقفه، حتى لو كانت قادرة على إنتاج كميات كبيرة من المحتوى والوصول إلى منصات متعددة.

كما أن خطورة هذه الحملات لا تتوقف عند نشر منشور مضلل أو مقطع مزيف، بل يمكن أن تمتد إلى محاولة بناء رواية كاملة حول قضية معينة، من خلال محتوى متكرر وحسابات تتبادل التعليقات ومواقع تقدم المعلومات المضللة في صورة تقارير صحفية. وعندما تختلط هذه المواد بالأخبار الحقيقية، يصبح التمييز بين المعلومات الموثوقة والمحتوى المصطنع أكثر صعوبة، خصوصًا بالنسبة إلى المستخدم الذي لا يملك الوقت الكافي للتحقق من كل ما يراه.

وتبرز الانتخابات كإحدى أهم الساحات التي تظهر فيها مخاطر استخدام الذكاء الاصطناعي في حملات التأثير، بسبب حساسية المعلومات السياسية وسرعة انتشار المحتوى خلال الفترات الانتخابية. وقد تشمل الأساليب المستخدمة إنتاج تسجيلات صوتية أو مقاطع فيديو مزيفة، ونشر رسائل مضللة حول المرشحين، أو استهداف مجموعات محددة من الناخبين بمحتوى مصمم وفق اهتماماتهم ومخاوفهم.

وفي دراسة تناولت الاستخدامات المبلغ عنها للذكاء الاصطناعي التوليدي خلال انتخابات عام 2024 في 50 دولة، سجلت الهيئة الدولية المعنية ببيئة المعلومات IPIE عدد 215 واقعة. ووجدت الدراسة أن 80% من الدول التي شملها البحث شهدت وقائع مرتبطة باستخدام هذه التقنيات في الانتخابات، بينما تضمنت 90% من الوقائع المسجلة إنتاج محتوى مثل النصوص أو الصور أو الفيديوهات أو الرسائل الصوتية.

ونُسب 20% من الوقائع إلى جهات أجنبية، في حين تعذر تحديد مصدر 46% منها، وهي أرقام تعكس اتساع نطاق استخدام هذه التقنيات، لكنها لا تثبت أن كل حملة تمكنت من التأثير في الناخبين أو تغيير نتائج الانتخابات.

كما أن تحديد الجهة المسؤولة عن بعض عمليات التأثير يظل أمرًا صعبًا، وهو ما يجعل التحقق من مصادر المحتوى وتوثيق الأدلة عنصرين أساسيين لفهم طبيعة هذه التهديدات، بدل الاكتفاء بالافتراضات أو الاستنتاجات غير المؤكدة.

وفي تقرير نشرته صحيفة The Guardian في أكتوبر 2026، تناولت الصحيفة مخاطر استخدام الذكاء الاصطناعي في حملات التضليل بجنوب شرق آسيا، مشيرة إلى عملية استهدفت ماليزيا واعتمدت على نحو 1000 حساب مزيف، إلى جانب موقع إخباري مختلق حمل اسم Malaysia Pulse ووثائق جرى التلاعب بها.

ووفقًا للتقرير، استهدفت الحملة الانقسامات السياسية والعرقية والدينية، وهو ما يوضح الطريقة التي يمكن من خلالها دمج المحتوى المصطنع مع قضايا حساسة داخل المجتمع، بهدف التأثير في النقاش العام واستغلال نقاط الخلاف الموجودة أصلًا.

ولا يقتصر التأثير المحتمل لحملات التضليل على إقناع الجمهور برواية محددة، بل يمكن أن يصل إلى مستوى أكثر خطورة يتمثل في إضعاف الثقة بالمعلومات نفسها. فعندما تنتشر صور ومقاطع مزيفة إلى جانب مواد صحيحة، قد يصبح الناس أكثر تشككًا في كل ما يرونه، بما في ذلك الأدلة الحقيقية والتغطيات الصحفية الموثقة.

وقد يمنح ذلك الجهات التي تسعى إلى التضليل مساحة أكبر لتشويش النقاش العام، حتى عندما لا تتمكن من فرض رواية بديلة مقنعة، إذ يكفي أحيانًا خلق حالة من الشك تجعل الجمهور غير قادر على معرفة ما الذي يمكن الوثوق به.

وتشير وكالة أسوشيتد برس في تقرير تناول تطور تقنيات التزييف العميق إلى أن إنشاء تسجيلات صوتية ومرئية واقعية أصبح أسهل، وأن انتحال شخصيات مسؤولين يمكن أن يؤدي إلى مخاطر أمنية وسياسية، خصوصًا عندما يعتقد المتلقي أنه يتواصل بالفعل مع شخصية رسمية.

وفي المقابل، تبرز أهمية تطوير أدوات قادرة على كشف المحتوى المزيف، إلى جانب التشريعات والتوعية الرقمية، للتعامل مع الانتشار المتزايد لهذا النوع من المحتوى.

وفي المحصلة، لا تعني حروب التأثير أن الدول أصبحت قابلة للسيطرة بمجرد إنفاق الأموال على حملات رقمية، لكنها تكشف عن تغير واضح في أدوات الصراع، إذ أصبح من الممكن توظيف الموارد المالية والتقنيات الحديثة لمحاولة التأثير في تصورات الجمهور وتوجيه النقاشات العامة عبر الحدود.

ورغم صعوبة قياس الأثر الحقيقي لكل حملة، فإن سرعة إنتاج المحتوى وتعدد المنصات وصعوبة تحديد الجهات التي تقف خلف بعض العمليات تجعل التحقق من المعلومات والشفافية والمساءلة عناصر أساسية في حماية المجتمعات.

وهكذا لم يعد الصراع على النفوذ يقتصر على السيطرة على الأرض أو الموارد، بل امتد إلى محاولة التأثير في العقول والمعلومات التي تشكل فهم الناس للعالم، وهي معركة لا تحتاج بالضرورة إلى إطلاق رصاصة، لكنها تحتاج إلى أدلة دقيقة قبل الحكم على حجم نجاحها أو الجهات المستفيدة منها.

التعليقات

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لضمان حصولك على أفضل تجربة.