تشهد الولايات المتحدة تراجعا ملحوظا في خطط بناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي بعد أن بدأت آثار قرارات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تنعكس على قطاع التكنولوجيا بشكل مباشر، رغم تأكيده في وقت سابق أن هذه المراكز تمثل أولوية استراتيجية للاقتصاد الأمريكي، حسب تقارير تقنية حديثة.
وتشير التقارير إلى أن أكثر من نصف مشاريع مراكز البيانات التي كان من المفترض أن تبدأ عملها خلال هذا العام تواجه عراقيل كبيرة قد تؤدي إلى تأجيلها أو إلغائها بشكل كامل، في وقت ضخت فيه الشركات الأمريكية استثمارات تجاوزت 61 مليار دولار خلال عام 2025 في هذا القطاع.
وتبرز أهمية هذه الصناعة في كونها أحد المحركات الأساسية للنمو الاقتصادي في الولايات المتحدة، حيث ساهمت مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي بنسبة 39 من نمو الناتج المحلي خلال الأرباع الثلاثة الأولى من العام الماضي، ما يجعلها جزءا محوريا في الاقتصاد الحديث.
كما أن توسع الشركات الأمريكية في هذا المجال ارتبط بإبرام صفقات دولية لبناء مراكز بيانات خارج البلاد، إلا أن هذه الخطط أصبحت مهددة بسبب التوترات الجيوسياسية والحرب الجارية على إيران، مما زاد من تعقيد المشهد.
وتعد الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة ترمب على عدة دول، وعلى رأسها الصين، من أبرز الأسباب التي أثرت بشكل مباشر على قطاع مراكز البيانات، إذ تعتمد هذه الصناعة على مكونات أساسية يتم استيرادها من الصين مثل المحولات الكهربائية والبطاريات ومعدات التشغيل.
وكانت هذه المكونات تصل سابقا خلال فترة لا تتجاوز 30 شهرا، لكن التوترات التجارية واضطرابات سلاسل الإمداد رفعت مدة وصولها إلى أكثر من 5 سنوات، وفقا لتقارير اقتصادية حديثة.
ومع عدم قدرة المصانع الأمريكية على تلبية الطلب المتزايد، تلجأ بعض الشركات إلى حلول غير مباشرة لتأمين احتياجاتها، في وقت لم يبدأ فيه سوى ثلث المشاريع المخطط لها مرحلة الإنشاء الفعلية.
وتواجه مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي أيضا أزمة طاقة متصاعدة بسبب ارتفاع الاستهلاك الكبير لهذه المراكز مقارنة بالتقنيات التقليدية، إضافة إلى أزمة الطاقة الناتجة عن الحرب ونقص الإمدادات.
وقد زادت حدة الأزمة بعد قرارات تلزم شركات كبرى مثل جوجل ومايكروسوفت وأوبن إيه آي بتحمل تكاليف إنشاء محطات الطاقة وتحديث شبكات الكهرباء اللازمة لتشغيل مراكز البيانات، وهو ما أثار جدلا واسعا داخل الولايات المتحدة.
وتأتي هذه الإجراءات في ظل انتقادات شعبية متزايدة بسبب ارتفاع فواتير الكهرباء في المناطق التي تستضيف هذه المراكز، مما دفع بعض الجهات إلى المطالبة بمراجعة سياسات التوسع في هذا القطاع.
وفي تطور سياسي لافت بدأت بعض الولايات الأمريكية مناقشة قوانين لتجميد بناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، بهدف دراسة تأثيرها على البيئة وشبكات الكهرباء قبل السماح بالتوسع.
وتتجه ولاية مين إلى أن تكون أول ولاية توقف بناء هذه المراكز حتى عام 2027، مع احتمالية لحاق ولايات أخرى بهذا القرار، وسط تزايد الاستياء الشعبي من التوسع السريع في هذا القطاع.
كما تشير تقارير إلى أن عددا من الولايات يدرس اتخاذ خطوات مماثلة، في ظل تنامي القلق من تأثير هذه المشاريع على البنية التحتية والطاقة.
وفي سياق آخر ساهمت التوترات العسكرية في زيادة تعقيد المشهد، بعد تقارير عن استهداف مراكز بيانات تابعة لشركات أمريكية في منطقة الخليج، مما أدى إلى تعطيل بعض الخدمات السحابية.
ويضع هذا الوضع خطط التوسع الدولية للشركات الكبرى في خطر، خاصة المشاريع المرتبطة ببناء مراكز بيانات ضخمة في الخارج.
ويرى مراقبون أن استمرار هذه الأزمات قد يؤدي إلى تباطؤ كبير في قطاع الذكاء الاصطناعي الأمريكي، وربما يفتح الباب أمام أزمة اقتصادية مشابهة لفقاعة شركات التقنية في بداية الألفية الماضية.

إرسال تعليق