شهد قطاع التقنية على مدى سنوات طويلة استقرارا نسبيا في تكاليف المكونات الإلكترونية بفضل ما يعرف بقانون مور، حيث كانت كفاءة الشرائح والذواكر ترتفع باستمرار مقابل انخفاض تدريجي في الأسعار. لكن الطفرة الكبيرة التي أحدثها الذكاء الاصطناعي التوليدي قلبت هذه المعادلة بشكل لافت، لتدخل الأسواق مرحلة جديدة باتت تعرف بين الخبراء باسم تضخم الرقائق.
وتعتمد نماذج الذكاء الاصطناعي الضخمة على قدرات معالجة هائلة وسرعات مرتفعة لنقل البيانات، ما جعل ذواكر HBM أو الذاكرة عالية النطاق الترددي عنصرا أساسيا في تشغيل مسرعات الذكاء الاصطناعي الحديثة من شركات مثل إنفيديا وAMD. ومع التوسع السريع في استخدام هذه التقنيات ارتفع الطلب على الذاكرة بمعدلات غير مسبوقة.
ووفقا لمذكرة بحثية موسعة صادرة عن مورغان ستانلي خلال يونيو من العام الجاري، فإن استهلاك الذكاء الاصطناعي للذاكرة يشهد نموا متسارعا على مختلف المستويات. فعلى مستوى الرقاقة الواحدة ارتفع استهلاك ذاكرة HBM إلى نحو 7.2 أضعاف مقارنة بالأجيال السابقة. أما على مستوى الأنظمة الكاملة فقد وصل النمو إلى 65 ضعفا. وفي مراكز البيانات قفزت السعات المطلوبة من نحو 10 تيرابايت في عام 2020 إلى ما يقارب 18 بيتابايت حاليا.
هذا الطلب الضخم اصطدم بقدرات إنتاجية محدودة نسبيا، إذ يتطلب إنشاء خطوط تصنيع جديدة للذواكر المتقدمة سنوات من العمل واستثمارات هائلة. ونتيجة لذلك أصبحت الشركات القادرة على دفع مبالغ أكبر تحظى بالأولوية في الحصول على الإمدادات.
وأشار شون كيم رئيس فريق أبحاث التكنولوجيا في أوروبا وآسيا لدى مورغان ستانلي إلى أن أسعار ذواكر DRAM ارتفعت بأكثر من 6 أضعاف خلال فترة قصيرة، وهو تحول كبير مقارنة بالنمط التقليدي الذي اتسم لعقود بانخفاض مستمر في أسعار الذاكرة.
وتتوقع المؤسسة المالية ظهور نقص واضح في إمدادات الذاكرة الموجهة للأسواق التقليدية بحلول عام 2027، نتيجة تركيز المصانع على المنتجات المخصصة للذكاء الاصطناعي ذات الهوامش الربحية الأعلى. وتشير التقديرات إلى احتمال مواجهة سوق الحواسيب الشخصية عجزا بنسبة 15%، بما يعادل نقصا في الإمدادات اللازمة لنحو 58 مليون جهاز. كما قد تواجه سوق الهواتف الذكية نقصا بنسبة 12%، وهو ما قد يؤثر على إنتاج نحو 134 مليون هاتف.
كما تكشف البيانات عن تضخم هائل في حجم سوق الذاكرة العالمي، حيث يتوقع أن ينمو من 220 مليار دولار إلى 890 مليار دولار، ما يعني تدفق نحو 600 مليار دولار إضافية إلى شركات تصنيع الذاكرة مدفوعة بالإنفاق المتزايد على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
ولم يعد تأثير هذه الأزمة محصورا داخل مراكز البيانات والخوادم العملاقة، بل بدأ ينعكس بشكل مباشر على الأجهزة الاستهلاكية. فمع انتشار تقنيات الذكاء الاصطناعي المحلي أصبح الحد الأدنى للذاكرة العشوائية في كثير من الأجهزة الجديدة 16 جيجابايت بدلا من 8 جيجابايت، إلى جانب الحاجة لدمج وحدات معالجة عصبية متخصصة.
وسجلت أسعار ذواكر DDR5 ومحركات التخزين SSD ارتفاعات متتالية خلال الفترة الأخيرة. وفي الهواتف الاقتصادية التي تقل أسعارها عن 200 دولار أصبحت تكلفة الذاكرة وحدها تمثل نحو 43% من إجمالي تكلفة تصنيع الجهاز.
وتجد الشركات المصنعة مثل لينوفو وديل وشاومي وإتش بي نفسها أمام خيارات صعبة للتعامل مع هذه الزيادات. ويتمثل الخيار الأول في نقل جزء من التكاليف إلى المستهلك النهائي، حيث تشير المؤشرات إلى ارتفاع أسعار الهواتف والحواسيب بنسبة تتراوح بين 5% و20%. وقد يعني ذلك زيادة تتراوح بين 30 و200 دولار بحسب فئة الجهاز.
أما الخيار الثاني فيتمثل في تقليص بعض المواصفات للحفاظ على الأسعار، من خلال استخدام شاشات أقل جودة أو بطاريات أصغر أو مواد تصنيع أقل تكلفة. بينما قد تضطر شركات أخرى إلى تقليص هوامش أرباحها أو تأجيل إطلاق منتجات جديدة بسبب صعوبة الحصول على كميات كافية من الذواكر.
ورغم أن تضخم الرقائق يفرض ضغوطا متزايدة على الشركات والمستهلكين، فإن تأثيره المباشر على معدلات التضخم العامة يبقى محدودا نسبيا عند حدود 0.1% فقط، نظرا لأن الأجهزة الإلكترونية تمثل جزءا صغيرا من سلة الإنفاق مقارنة بقطاعات مثل الغذاء والطاقة والسكن. ومع ذلك يبقى التأثير الأكبر واضحا في تكاليف الإنتاج وهوامش الأرباح وخطط التحديث التقني لدى المؤسسات، ما يجعل تضخم الرقائق أحد أبرز التحديات التي تواجه صناعة التقنية في السنوات المقبلة.
.png)
إرسال تعليق