تشير دراسة حديثة إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي في تطبيقات المواعدة أصبح ظاهرة متنامية بين الباحثين عن العلاقات العاطفية، حيث تكشف التقديرات أن أكثر من ربع العازبين في الولايات المتحدة استعانوا بهذه الأدوات لتحسين تواصلهم العاطفي، مع ارتفاع الاستخدام بنسبة تصل إلى 333 خلال عام واحد فقط، ما يعكس تحولا واضحا في طريقة بناء العلاقات في العصر الرقمي.
ورغم أن شركات المواعدة لم تعد تكتفي بمراقبة هذا الاتجاه، بل بدأت في دمجه داخل خدماتها، مثل منصة Hinge التي أضافت ميزات مدعومة بالذكاء الاصطناعي وأطلقت مساعدها Bee AI، إلى جانب خدمة Facebook Dating التي توفر روبوت دردشة يساعد المستخدمين في العثور على شركاء محتملين، إلا أن أبحاثا أكاديمية جديدة تشير إلى جانب أكثر تعقيدا لهذه الظاهرة.
تأثير سيرانو حين يكتب الذكاء الاصطناعي الرسائل العاطفية
تستند الدراسة الصادرة عن جامعة Constructor إلى مفهوم يعرف باسم تأثير سيرانو، وهو مصطلح مستوحى من قصة سيرانو دي برجراك حيث كان البطل يكتب رسائل الحب نيابة عن شخص آخر، ويصف هذا المفهوم الحالة التي يصبح فيها الذكاء الاصطناعي هو الكاتب الفعلي للرسائل العاطفية التي يرسلها المستخدم داخل تطبيقات المواعدة.
وأجرى الباحث لينارت أنتي مقابلات مع 45 مستخدما لتطبيقات المواعدة، شملت أشخاصا يعتمدون على أدوات مثل ChatGPT لصياغة رسائلهم، إلى جانب أطراف أخرى تلقت هذه الرسائل دون معرفة مسبقة بمصدرها.
المستخدمون لا يرون الأمر خداعا
أظهرت النتائج أن أغلب المستخدمين الذين استعانوا بالذكاء الاصطناعي لا يعتبرون ذلك غشا أو تضليلا، بل يرونه وسيلة لتحسين فرص التواصل وتقليل التوتر الاجتماعي، حيث وصف بعضهم ChatGPT بأنه أشبه بدواء للقلق الاجتماعي يتحول إلى نصوص جاهزة تساعدهم على التعبير بشكل أفضل.
كما تعامل آخرون مع المواعدة الرقمية باعتبارها مساحة تعتمد على تحسين فرص النجاح، حيث يصبح استخدام الأدوات الذكية جزءا من محاولة الوصول إلى تواصل أولي أكثر فعالية قبل اللقاء الحقيقي.
الطرف الآخر يشعر بالخداع
في المقابل جاءت ردود فعل الطرف المتلقي مختلفة تماما، إذ تكررت كلمات مثل الخداع والخيانة والتضليل خلال المقابلات، حيث عبّر كثير من المشاركين عن شعورهم بأن الرسائل التي تلقوها لا تعكس الشخص الحقيقي خلف الشاشة.
وبلغ الأمر ببعضهم إلى فقدان الثقة في أي رسالة مكتوبة بإتقان، حتى وصف أحد المشاركين تجربته بأنها تحولت إلى اختبار تورينغ مرهق يحاول فيه باستمرار معرفة ما إذا كان يتحدث إلى إنسان حقيقي أم إلى ذكاء اصطناعي.
الصدمة عند اللقاء الحقيقي
كما رصدت الدراسة ظاهرة أخرى أطلق عليها الباحثون اسم القفزة من الشخصية إلى الشخص، وهي اللحظة التي يلتقي فيها الطرفان وجها لوجه بعد أن تكون الرسائل قد رسمت صورة مثالية لشخصية أحدهما عبر الذكاء الاصطناعي.
وأوضح أحد المشاركين أنه أمضى وقتا قبل موعده العاطفي في إعادة قراءة الرسائل التي صاغها الذكاء الاصطناعي، في محاولة لتقمص الصورة التي ظهرت في المحادثات، واصفا التجربة بأنها أشبه بالاستعداد لاختبار يتعلق بنسخة غير حقيقية من نفسه.
كما ذكر عدد من المشاركين أنهم واجهوا فجوة واضحة بين الصورة الرقمية والانطباع الواقعي، حيث بدا بعض الأشخاص أكثر خجلا أو ارتباكا مما ظهر في المحادثات، وهو ما أدى إلى خيبة أمل سريعة في بعض الحالات.
أداة مساعدة وليست بديلا عن الشخصية
ورغم هذه النتائج لا تدعو الدراسة إلى منع استخدام الذكاء الاصطناعي في تطبيقات المواعدة، بل تشير إلى أنه قد يكون مفيدا للأشخاص الذين يعانون من القلق الاجتماعي أو صعوبات في التعبير والتواصل.
لكنها في الوقت نفسه تحذر من أن الاعتماد المفرط عليه في بناء الانطباع الأول قد يؤدي إلى علاقات هشة لا تصمد بعد اللقاء الواقعي الأول.
وتخلص الدراسة إلى أن كلما زادت مساهمة الذكاء الاصطناعي في تشكيل الشخصية الرقمية للمستخدم، اتسعت الفجوة بين الصورة الافتراضية والواقع، وهي فجوة قد تكون كافية لإنهاء العلاقة قبل أن تبدأ فعليا.

إرسال تعليق