تشير دراسة حديثة إلى أن الإفراط في مشاهدة مقاطع الفيديو القصيرة عبر منصات مثل ريلز إنستقرام وتيك توك قد يترك آثارا سلبية على الصحة النفسية والقدرات الذهنية لدى الأطفال والمراهقين، حيث ترتبط هذه العادة بارتفاع مستويات التوتر وضعف الانتباه وزيادة السلوكيات ذات الطابع الإدماني.
وأجريت الدراسة من قبل باحثين في جامعة بايرويت ونشرت في يونيو الجاري ضمن دورية European Child & Adolescent Psychiatry، وهدفت إلى فهم التأثيرات المحتملة للاستخدام المكثف لمقاطع الفيديو القصيرة على الفئة الشابة، في ظل الانتشار الواسع لهذا النوع من المحتوى في الحياة اليومية للمراهقين.
ويشير الباحثون إلى أن هذه المنصات أصبحت جزءا أساسيا من الروتين اليومي لدى كثير من الشباب، حيث يقضون ساعات طويلة في التمرير المستمر ومتابعة محتوى سريع الإيقاع مصمم لجذب الانتباه خلال ثوان معدودة فقط، وهو ما يثير تساؤلات حول تأثيره على القدرات الذهنية على المدى الطويل.
واعتمدت الدراسة على تحليل بيانات واسعة شملت أكثر من 42 دراسة عالمية أُجريت بين عامي 2015 و2025، وغطت ما يزيد على 47000 مشارك بمتوسط عمر يقارب 16.8 عاما، إلى جانب بيانات مستخلصة من أكثر من 1500 مجموعة بحثية تناولت استخدام الوسائط الرقمية في البيئات المنزلية والتعليمية والاجتماعية.
وتوضح النتائج أن منصات الفيديو القصير تعتمد على مجموعة من الآليات التي تعزز التعلق بالمحتوى، أبرزها المحتوى السريع المتجدد الذي يقدم محفزات بصرية متواصلة كل بضع ثوان، إضافة إلى نظام التمرير اللانهائي الذي يسمح بمشاهدة غير محدودة دون توقف طبيعي، فضلا عن الخوارزميات الشخصية التي تقترح محتوى يتوافق مع اهتمامات المستخدم بشكل دقيق، ما يزيد من صعوبة التوقف عن الاستخدام.
وتظهر الدراسة أن الاستخدام المكثف وغير المنظم لهذه الفيديوهات يرتبط بزيادة طفيفة إلى متوسطة في مشكلات الانتباه والاندفاعية، إلى جانب تراجع في أداء الذاكرة العاملة التي تساعد الدماغ على الاحتفاظ بالمعلومات ومعالجتها لفترات قصيرة.
كما استخدم الباحثون تقنيات علمية متقدمة مثل تخطيط الدماغ الكهربائي EEG والتصوير بالرنين المغناطيسي MRI لرصد التغيرات المرتبطة بنشاط الدماغ، في محاولة لفهم أعمق للتأثيرات العصبية لهذا النوع من المحتوى الرقمي.
وبعد الأخذ بعين الاعتبار عوامل متعددة مثل العمر والجنس والخلفية الثقافية والمستوى التعليمي ونوع المنصة المستخدمة، ربطت النتائج بين الاستخدام المفرط للفيديوهات القصيرة وارتفاع مستويات القلق والاكتئاب والتوتر النفسي، إضافة إلى ملاحظة زيادة في السلوكيات الإدمانية لدى الأفراد الذين يقضون فترات طويلة في مشاهدة هذا المحتوى.
وتعرف الدراسة الاستخدام المكثف بأنه قضاء أربع ساعات يوميا أو أكثر في مشاهدة الفيديوهات القصيرة، بينما يشير الاستخدام غير المنظم إلى التصفح العشوائي الذي يؤثر بشكل مباشر على النوم والأنشطة اليومية.
وفي ضوء هذه النتائج، يوصي الباحثون بضرورة وضع جداول زمنية واضحة لاستخدام الأجهزة الرقمية، وتشجيع الأطفال والمراهقين على تبني عادات صحية في التعامل مع الشاشات، إلى جانب توفير بيئات اجتماعية داعمة تقلل من الاعتماد المفرط على المحتوى الرقمي، مؤكدين أن هذه الإجراءات قد تسهم في حماية النمو السلوكي والعصبي وتعزيز علاقة أكثر توازنا بين الجيل الجديد والتكنولوجيا.

إرسال تعليق