أصبحت الصين أول دولة في العالم تمنح موافقة تجارية رسمية لتقنية زراعة الشرائح في الدماغ، متقدمة على الشركات الأميركية العاملة في هذا المجال، وفي مقدمتها شركة نيورالينك التابعة لإيلون ماسك، في خطوة تعكس بداية مرحلة جديدة من التنافس العالمي على واجهات الدماغ والحاسوب التي تربط العقل البشري مباشرة بالأجهزة الرقمية.
هذا التطور لم يعد مجرد إنجاز طبي محدود، بل تحول إلى مؤشر واضح على أن تقنيات الربط بين الدماغ والحاسوب أصبحت ساحة تنافس جيوسياسي بين بكين وواشنطن، في وقت تتسارع فيه جهود الحكومات والشركات لتطوير أدوات تسمح بالتحكم بالأجهزة عبر التفكير فقط، وهو ما كان حتى وقت قريب أقرب إلى الخيال العلمي.
خلال الأشهر الماضية منحت الإدارة الوطنية الصينية للمنتجات الطبية موافقتها على جهاز NEO، وهو نظام واجهة دماغ وحاسوب طورته شركة NeuraMatrix في شنغهاي بالتعاون مع باحثين من جامعة تسينغهوا، ليصبح أول جهاز دماغي مزروع يحصل على ترخيص تجاري رسمي من جهة تنظيمية في العالم ضمن هذا المجال.
ويعتمد الجهاز الصيني على نهج أقل تدخلا جراحيا مقارنة ببعض التقنيات المنافسة، خصوصا شريحة N1 التي تطورها نيورالينك، حيث يتم خلال عملية جراحية تستغرق نحو 90 دقيقة تثبيت 8 مستشعرات فوق الطبقة الواقية للدماغ دون اختراق أنسجته مباشرة، على عكس تقنية نيورالينك التي تعتمد على إدخال أسلاك دقيقة داخل الدماغ لالتقاط الإشارات العصبية.
ويعمل نظام NEO على تحليل الإشارات العصبية في الزمن الحقيقي وفك شفرتها، بما يتيح لمرضى إصابات الحبل الشوكي أو حالات الشلل الجزئي التحكم في أجهزة مساعدة باستخدام التفكير فقط. وفي التجارب الأولية، تمكن بعض المرضى من تشغيل قفازات هوائية ذكية لتحريك اليدين والإمساك بالأشياء ورفع أكواب المياه، وهي مهام كانت خارج قدراتهم تماما.
هذا التقدم يعكس أيضا استراتيجية صينية أوسع في قطاع التقنيات المستقبلية، تشبه إلى حد كبير ما حدث في صناعة السيارات الكهربائية، حين وضعت بكين خططا طويلة المدى وضخت استثمارات ضخمة قبل أن تتحول إلى لاعب عالمي رئيسي في القطاع.
وقد صنفت الحكومة الصينية تقنيات واجهات الدماغ والحاسوب ضمن ست صناعات استراتيجية مستقبلية، مع هدف واضح يتمثل في تحقيق الريادة العالمية في هذا المجال بحلول عام 2030. كما ساهمت تسهيلات تنظيمية كبيرة وتسريع الموافقات السريرية في انتقال الشركات الناشئة من المختبرات إلى التجارب ثم إلى الترخيص التجاري بسرعة لافتة.
في المقابل، لا تزال الولايات المتحدة تتبع مسارا أكثر حذرا، حيث تخضع تقنيات الشرائح الدماغية المزروعة لمراحل طويلة من الاختبارات تحت إشراف إدارة الغذاء والدواء الأميركية قبل أي اعتماد تجاري، وهو ما يجعل الصين تتقدم زمنيا في سباق الوصول إلى السوق.
ورغم الاهتمام العالمي المتزايد بشركة نيورالينك، فإن الولايات المتحدة لم تمنح حتى الآن أي موافقة تجارية لهذه التقنيات، إذ تقتصر عمليات الزراعة حاليا على تجارب بحثية أو برامج وصول موسع لحالات محددة.
وتعد نيورالينك أبرز اللاعبين في هذا المجال، بعد أن عرضت تجارب لمرضى تمكنوا من التحكم بالحواسيب عبر التفكير فقط، حيث زرعت الشركة شريحة N1 لدى ما لا يقل عن 21 مريضا ضمن بروتوكولات بحثية معتمدة. وكان أول هؤلاء المرضى نولاند أربو الذي تمكن من لعب الشطرنج وتصفح الإنترنت وتحريك مؤشر الحاسوب باستخدام الإشارات العصبية فقط دون أي أدوات تقليدية.
وتخطط الشركة لتوسيع الإنتاج مستقبلا، إلى جانب تطوير عمليات جراحية شبه مؤتمتة تعتمد على روبوتات دقيقة، رغم أن الحصول على موافقة تجارية كاملة من الجهات التنظيمية الأميركية لا يزال بعيدا وقد يحتاج إلى سنوات بسبب متطلبات السلامة والأخطار العصبية طويلة المدى.
وفي الاتجاه نفسه، تتبنى شركة Synchron الأميركية مسارا مختلفا يعتمد على تقليل التدخل الجراحي، حيث يتم زرع جهاز Stentrode عبر الوريد الوداجي ليصل إلى الأوعية القريبة من الدماغ دون الحاجة إلى فتح الجمجمة، وقد حصلت الشركة على إعفاء تجريبي من إدارة الغذاء والدواء الأميركية سمح بتوسيع نطاق التجارب السريرية، إضافة إلى تمويل بلغ 200 مليون دولار لتسريع الوصول إلى الاعتماد التجاري.
أما شركة Precision Neuroscience فتركز على دمج تقنيات واجهات الدماغ داخل أنظمة جراحة الأعصاب في المستشفيات، وقد حصلت في أبريل 2025 على موافقة تنظيمية أميركية عبر مسار 510k الذي يسمح بإدخال تقنيات مشابهة لتقنيات معتمدة مسبقا، كما دخلت في شراكة مع Medtronic لتوسيع استخدام هذه التقنيات في العمليات الجراحية.
وتشير التطورات الحالية إلى أن تقنيات واجهات الدماغ خرجت بالفعل من نطاق المختبرات، بعدما تمكن مرضى من تصفح الإنترنت وتحريك أطراف روبوتية وتشغيل الحواسيب وتحويل الأفكار إلى نصوص مكتوبة، وهو ما يعكس تقدما تقنيا مزدوجا يجمع بين تطور الأجهزة القادرة على التقاط الإشارات العصبية بدقة أعلى، وتقدم نماذج الذكاء الاصطناعي القادرة على تفسير هذه الإشارات بسرعة أكبر.
ومع استمرار هذا التطور، تتوسع إمكانيات الشرائح الدماغية لتشمل وظائف أكثر تعقيدا، بينما تظل التطبيقات الحالية موجهة بشكل أساسي للأغراض العلاجية مثل مساعدة المصابين بالشلل أو فقدان الحواس. إلا أن النقاش العلمي والأخلاقي بدأ يتجه نحو آفاق أوسع تتعلق بإمكانية تطوير ذكاء اصطناعي يحاكي طريقة تفكير الدماغ البشري، أو حتى تعزيز القدرات البشرية عبر تحسين الذاكرة وتسريع التعلم وإتاحة تواصل مباشر بين العقول.
.png)
إرسال تعليق