في كل مرة يضرب فيها زلزال قوي منطقة ما، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة، هل يمكن معرفة وقوعه قبل حدوثه بثوانٍ تكفي لإنقاذ الأرواح. ورغم أن هذه الثواني تبدو قصيرة، إلا أنها قد تصنع فارقًا حاسمًا في لحظة الخطر.
من هذا التساؤل بدأت جوجل في عام 2021 تطوير منظومة Android Earthquake Alerts، وهي نظام إنذار مبكر للزلازل يعتمد على فكرة غير تقليدية، تحويل مليارات الهواتف العاملة بنظام أندرويد إلى شبكة استشعار زلزالية عالمية منخفضة التكلفة وسريعة التوسع بدل الاعتماد فقط على محطات الرصد التقليدية.
تعتمد الفكرة على استغلال مستشعرات الحركة داخل الهواتف الذكية، وبشكل خاص مستشعر التسارع، وهو المكوّن المسؤول عادة عن تحديد اتجاه الهاتف وحركته، لكن جوجل وجدت أنه قادر أيضًا على التقاط الاهتزازات الناتجة عن الزلازل عندما يكون الجهاز في وضع ثابت.
بدل إنشاء بنية تحتية ضخمة من أجهزة الرصد الأرضية، تستخدم جوجل شبكة هائلة من الهواتف المنتشرة في نحو 100 دولة، حيث تلتقط هذه الأجهزة الاهتزازات وترسل إشارات فورية إلى خوادم الشركة، ما يسمح بتحليل النشاط الزلزالي في الوقت الحقيقي وإصدار التحذيرات قبل وصول الموجات الأقوى.
وخلال السنوات الأخيرة، تحولت هذه الفكرة من تجربة بحثية إلى واحدة من أكبر أنظمة الإنذار المبكر في العالم، إذ أصبحت قادرة على رصد آلاف الزلازل سنويًا وإرسال مئات الملايين من التنبيهات، مع توسع مستمر في التغطية الجغرافية وتحسن ملحوظ في الدقة.
ولم تتوقف جوجل عند الهواتف فقط، بل بدأت في عام 2025 توسيع النظام ليشمل الساعات الذكية العاملة بنظام Wear OS، بحيث تصل التحذيرات إلى المستخدم حتى عندما لا يكون الهاتف معه، وهو ما يعزز سرعة الاستجابة في اللحظات الحرجة.
وفي يوليو 2025، نشرت جوجل بالتعاون مع باحثين دراسة في مجلة Science استعرضت أداء النظام خلال 4 سنوات من التشغيل الفعلي، وأظهرت النتائج أن المنظومة رصدت أكثر من 18 ألف زلزال تراوحت شدتها بين 1.9 و7.8 درجة، وأصدرت تحذيرات لأكثر من 2000 زلزال، فيما بلغ عدد التنبيهات المرسلة نحو 790 مليون تنبيه حول العالم.
كما أظهرت بيانات الشركة تحولًا كبيرًا في نطاق الوصول إلى خدمات الإنذار المبكر، فبينما كان عدد المستفيدين عام 2019 لا يتجاوز 250 مليون شخص، ارتفع الرقم إلى نحو 2.5 مليار شخص بفضل انتشار هواتف أندرويد عالميًا.
بدأ إطلاق التنبيهات رسميًا في أبريل 2021، وكانت البداية في نيوزيلندا واليونان، قبل أن يتوسع النظام تدريجيًا ليصبح نشطًا اليوم في نحو 100 دولة.
تعتمد آلية عمل النظام على قراءة الإشارات الأولية للزلازل، حيث تلتقط الهواتف الموجات الأولية المعروفة باسم P Waves، وهي موجات سريعة لكنها أقل تدميرًا، تليها الموجات الثانوية S Waves الأكثر بطئًا والأشد قوة وتسبب معظم الأضرار.
الفارق الزمني بين الموجتين يمنح النظام فرصة ذهبية لإرسال التحذير قبل وصول الاهتزازات العنيفة، حيث ترسل الهواتف بيانات تقريبية عن الموقع إلى خوادم جوجل، مع الحفاظ على خصوصية المستخدم وعدم مشاركة بيانات دقيقة.
لكن التحدي الأكبر لا يكمن في اكتشاف الزلزال فقط، بل في تحديد قوته بسرعة ودقة خلال ثوانٍ قليلة، لأن أي خطأ في التقدير قد يؤدي إلى تحذيرات غير دقيقة، إما بتقليل الخطر أو بإرسال إنذارات غير ضرورية تضعف ثقة المستخدمين بالنظام.
لذلك تعتمد جوجل على تجميع بيانات من عدد كبير من الهواتف في نفس المنطقة، ثم تحليلها باستخدام خوارزميات متقدمة للتأكد من أن الاهتزازات ناتجة عن زلزال حقيقي وليس عن حركة بشرية أو عوامل أخرى.
وبمجرد تأكيد وقوع الزلزال، يبدأ النظام في تحديد مركزه وتقدير قوته واتجاه انتشار موجاته، ثم يحدد المناطق الأكثر عرضة للخطر ويرسل التحذيرات قبل وصول الهزات القوية إليها.
ورغم أن التقدير الأولي للزلزال يعد الأكثر أهمية لأنه يوفر وقتًا أطول للتحذير، فإن النظام لا يتوقف عنده، بل يواصل تحديث بياناته مع وصول معلومات جديدة، ما يسمح بتحسين دقة التحذيرات وتوسيع نطاقها تدريجيًا.
وأشارت جوجل إلى أن دقة التقدير تحسنت بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، حيث انخفض متوسط الخطأ في قياس قوة الزلزال من 0.50 درجة إلى 0.25 درجة فقط، وهو مستوى يقترب من دقة شبكات الرصد التقليدية، بل ويتفوق عليها في بعض الحالات.
وتقسم المنظومة التنبيهات إلى نوعين رئيسيين، الأول BeAware Alert ويُستخدم عند توقع هزات خفيفة أو متوسطة، ويهدف إلى تنبيه المستخدم دون إثارة الذعر، أما الثاني فهو TakeAction Alert ويُفعّل عند توقع هزات قوية، حيث يظهر على الشاشة بشكل كامل ويصدر صوتًا عاليًا حتى لو كان الهاتف في الوضع الصامت، لدفع المستخدم لاتخاذ إجراءات فورية للحماية.
وللاستفادة من الخدمة يجب أن يكون الهاتف متصلًا بالإنترنت عبر Wi Fi أو شبكة الهاتف المحمول، مع تفعيل خدمة الموقع والتنبيهات الزلزالية، مع إمكانية تعطيل الميزة من الإعدادات لمن لا يرغب باستخدامها.
وقد اختبرت جوجل النظام في زلازل حقيقية عدة، ففي زلزال الفلبين عام 2023 الذي بلغت قوته 6.7 درجة، صدر أول تحذير بعد 18.3 ثانية فقط، وحصل بعض السكان على ما يصل إلى 60 ثانية من التحذير حسب موقعهم من مركز الزلزال، بينما تلقى 2.5 مليون شخص التنبيهات.
وفي نيبال خلال زلزال بقوة 5.7 درجة، وصلت التحذيرات خلال 15.6 ثانية، وتراوحت فترات الإنذار بين 10 و60 ثانية، مع إرسال أكثر من 10 ملايين تنبيه.
أما في زلزال تركيا عام 2025 الذي بلغت قوته 6.2 درجة، فقد وصل أول تنبيه خلال 8 ثوان فقط، وتلقى أكثر من 11 مليون شخص التحذيرات قبل وصول الهزات إليهم.
وبعد نجاح النظام على الهواتف، بدأت جوجل في نقل التجربة إلى الساعات الذكية، بحيث تعرض التنبيهات بيانات الزلزال مثل القوة والمسافة وتحذير الخطر مباشرة على المعصم، وهو ما قد يكون حاسمًا عندما لا يكون الهاتف قريبًا من المستخدم.
وترى جوجل أن تحويل الهواتف إلى شبكة استشعار عالمية يعمل بشكل دائم يمثل نقلة نوعية في مفهوم الإنذار المبكر، إذ أصبحت مليارات الأجهزة جزءًا من نظام واحد قادر على رصد الزلازل وتحذير المستخدمين خلال ثوانٍ قليلة، في وقت لا تزال فيه هذه التقنية غير متاحة لمستخدمي بعض الأنظمة الأخرى مثل هواتف آيفون حتى الآن.

إرسال تعليق