أقر مجلس النواب الأميركي مشروع قانون جديد يهدف إلى تعزيز حماية الأطفال على الإنترنت، في خطوة تعكس تصاعد القلق داخل واشنطن بشأن تأثير المنصات الرقمية على القاصرين، لكن هذا التحرك فتح في المقابل الباب أمام خلاف تشريعي واسع مع مجلس الشيوخ الذي يدفع نحو قواعد أكثر صرامة على شركات التكنولوجيا، بحسب ما نقلته بلومبرغ.
ويأتي مشروع القانون المعروف باسم KIDS Act بأغلبية بلغت 267 صوتا مقابل 117، ويتضمن مجموعة من الإجراءات التي تلزم المنصات الرقمية بتقييد وصول الأطفال إلى المحتوى الجنسي، بما في ذلك فرض التحقق من العمر على المواقع الإباحية، إلى جانب توفير أدوات رقابة أبوية على منصات التواصل الاجتماعي وألعاب الفيديو عبر الإنترنت.
كما يفرض المشروع على روبوتات الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي أن توضح للمستخدمين القاصرين أنها ليست بشرا، مع توفير موارد دعم مرتبطة بالوقاية من الانتحار في الحالات التي تُظهر مؤشرات على وجود أفكار انتحارية لدى الأطفال.
ويتضمن التشريع أيضا إلزام شركات التواصل الاجتماعي بتفعيل إعدادات افتراضية خاصة بحسابات القاصرين تحد من خصائص التصميم التي قد تعزز الإدمان، مع منح أولياء الأمور أدوات أوسع للتحكم في إعدادات الخصوصية الخاصة بأبنائهم.
خلاف متصاعد بين النواب والشيوخ
ورغم إقرار مجلس النواب، فإن مشروع القانون لا يلبّي، بحسب بلومبرغ، مطالب أعضاء في مجلس الشيوخ الذين يطالبون بفرض التزام قانوني أوسع على شركات التكنولوجيا مثل ميتا و تيك توك و سناب لاتخاذ إجراءات صارمة لمنع الأضرار المحتملة التي قد يتعرض لها القاصرون. وقد وصف مشرعون جمهوريون وديمقراطيون في مجلس الشيوخ المشروع بأنه غير كاف.
ويأتي هذا الجدل في وقت تتزايد فيه الضغوط السياسية على شركات التكنولوجيا، وسط اتهامات بأن منصاتها وخوارزمياتها تسهم في خلق أنماط استخدام إدمانية وتعرض الأطفال لمحتوى ضار يؤثر على صحتهم النفسية.
وقال النائب الجمهوري بريت جوثري إن التشريع يمثل خطوة مهمة لكنها ليست النهاية، مؤكدا أن مشروع قانون واحد لن يحل جميع التحديات المرتبطة باستخدام الأطفال للإنترنت، لكنه بداية ضرورية لوضع ضمانات فعالة.
وفي تطور قضائي لافت، كانت هيئة محلفين في ولاية كاليفورنيا قد خلصت في مارس إلى تحميل ميتا و جوجل مسؤولية المساهمة في تدهور الصحة النفسية لشابة، في قضية أثارت جدلا واسعا بشأن تصميم منصات التواصل الاجتماعي وما إذا كانت تستهدف تعزيز الإدمان لدى المستخدمين صغار السن.
اعتراضات حقوقية على التحقق من العمر
في المقابل، واجه مشروع KIDS Act انتقادات من منظمات حقوقية رقمية اعتبرت أن تطبيق إجراءات التحقق من العمر قد يدفع الشركات إلى جمع بيانات حساسة بشكل مفرط من المستخدمين، ما يثير مخاوف تتعلق بالخصوصية.
وقالت مؤسسة الحدود الإلكترونية إن هذه المتطلبات قد تدفع المنصات إلى طلب وثائق رسمية مثل رخص القيادة أو جوازات السفر أو الاعتماد على أنظمة تقدير العمر التي قد تمس خصوصية المستخدمين.
مجلس الشيوخ يطرح مقاربة أكثر تشددا
وفي مجلس الشيوخ، تقود السيناتور الجمهورية مارشا بلاكبيرن جهودا لدفع مشروع بديل يتجاوز نسخة مجلس النواب، حيث يتضمن بندا يفرض ما يعرف بواجب الرعاية على شركات التكنولوجيا، ما يجعلها مسؤولة قانونيا عن المحتوى الضار الذي قد يساهم في اضطرابات الأكل أو تعاطي المخدرات أو الاستغلال الجنسي للقاصرين.
وقالت بلاكبيرن إن غياب هذا البند يعني استمرار تغليب أرباح الشركات على سلامة الأطفال، مؤكدة الحاجة إلى معيار فيدرالي صارم يمنع تصميم منتجات رقمية تسبب الإدمان أو الاستغلال.
كما دعت جماعات حماية الأطفال إلى رفض مشروع مجلس النواب، معتبرة أنه لا يقدم إطارا كافيا لحماية القاصرين، وأنه يفتقد لمبدأ واجب الرعاية الذي يعد أساسيا في المقترحات المطروحة داخل مجلس الشيوخ.
مفاوضات مستمرة وحسم مؤجل
وتجري حاليا مفاوضات بين السيناتور بلاكبيرن والبيت الأبيض بشأن صيغة تشريعية تجمع بين مقترحات مجلس الشيوخ ومتطلبات التحقق من العمر، مع إمكانية منح القانون الفيدرالي أولوية على قوانين الولايات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي.
ومن المتوقع أن يدخل الملف مرحلة تفاوض جديدة بين المجلسين خلال الفترة المقبلة، خاصة بعد تأكيد النائب بريت جوثري أن مجلس النواب سيناقش التفاصيل النهائية فور إقرار نسخة مجلس الشيوخ من المشروع.
وفي ظل هذا التجاذب التشريعي، يبقى مستقبل حماية الأطفال على الإنترنت في الولايات المتحدة مفتوحا على عدة سيناريوهات، بين تشريع يركز على الضوابط الأساسية كما أقره مجلس النواب، أو مقاربة أكثر تشددا يسعى إليها مجلس الشيوخ تفرض مسؤوليات قانونية أوسع على شركات التكنولوجيا.

إرسال تعليق