أحدث الأخبار

هل تستطيع أدوات التحقيق الجنائي فتح أي هاتف واستعادة المحذوفات

صفحة فيسبوك
تابع الآن
إكس (تويتر)
تابع على X
ثريدز
تابع الآن
قناة واتساب
انضم الآن


 أثار مقطع فيديو متداول حديثًا جدلًا واسعًا حول قدرات أدوات التحقيق الجنائي الرقمي التي تطورها شركة ماغنت فورينسكس، بعدما ظهر فيه ادعاء بأن توصيل الهاتف بأداة متخصصة قد يكون كافيًا للوصول إلى محتوياته واستخراج بيانات حُذفت منه سابقًا خلال دقائق.

لكن الواقع التقني يبدو أكثر تعقيدًا من هذا الطرح، فهناك بالفعل أدوات احترافية تستطيع الوصول إلى بيانات موجودة على هواتف مقفلة أو مشفرة واستخراج كميات كبيرة من المعلومات، إلا أنه لا توجد أدلة موثوقة تثبت أن أداة واحدة قادرة على فتح أي هاتف أو استعادة جميع البيانات المحذوفة دون استثناء.

وتبرز ماغنت غراي كي كواحدة من أشهر الأدوات المرتبطة بهذا النوع من عمليات التحقيق الرقمي، وهي منصة متخصصة في التعامل مع الهواتف، وتقول الشركة إنها تتيح الوصول إلى بيانات أجهزة آيفون وأندرويد الحديثة، بما في ذلك بعض البيانات التي قد يصعب الوصول إليها بالطرق التقليدية، ثم استخراجها وحفظها من أجل تحليلها جنائيًا.

لكن هذا لا يعني أن غراي كي تمثل مفتاحًا شاملًا لجميع الهواتف، إذ يعتمد نجاح عملية الاستخراج على عوامل عديدة، من بينها طراز الجهاز وإصدار نظام التشغيل وحالته وقت مصادرته وإجراءات الحماية المفعلة عليه، إلى جانب ما إذا كان الهاتف مقفلًا أو مفتوحًا، ونوع عملية الاستخراج التي تدعمها الأداة على ذلك الجهاز.

وأظهرت اختبارات أجرتها وزارة الأمن الداخلي الأمريكية على إصدار من غراي كي أن الأداة تمكنت من الحصول بصورة كاملة ودقيقة على البيانات التي تدعمها تقنيات الاستخراج المستخدمة في الاختبار، لكن هذه النتيجة تعني البيانات التي كانت مدعومة ضمن الاختبار، ولا تعني أن الأداة قادرة على استعادة كل محتويات أي هاتف.

وتظهر نقطة أخرى مهمة عند الحديث عن البيانات المحذوفة، فحذف صورة أو رسالة من الهاتف لا يعني بالضرورة اختفاء آثارها فورًا من وحدة التخزين. وفي بعض عمليات الاستخراج الجنائي، يمكن العثور على قواعد بيانات أو سجلات أو أجزاء من ملفات أو آثار متبقية لبيانات حذفها المستخدم، لكن إمكانية استعادتها تختلف بشكل كبير بحسب طريقة الحذف ونظام الملفات والتشفير، وما إذا كانت البيانات قد استُبدلت بالفعل ببيانات أخرى.

ولهذا فإن عبارة استعادة المحذوفات تحتاج إلى قدر من الدقة، فقد تتمكن أدوات التحليل الجنائي من العثور على بعض البيانات المحذوفة أو آثارها في ظروف محددة، لكنها لا تضمن استعادة كل ما حُذف من الهاتف.

كما أن هناك فرقًا بين الوصول إلى البيانات واستخراجها وبين تحليل تلك البيانات بعد الحصول عليها، إذ تركز غراي كي بشكل أساسي على الوصول إلى البيانات واستخراجها، بينما يمكن استخدام منصات أخرى مثل ماغنت أكسيوم لفحص البيانات المستخرجة وربطها وتحليل آثارها الرقمية.

ولا يعني وجود هذه الأدوات المتقدمة أن تشفير هواتف آيفون وأندرويد أصبح بلا فائدة، فالشركات المتخصصة في الأدلة الجنائية تعتمد على مجموعة من الأساليب والثغرات والآليات التي تختلف بحسب الجهاز وإصدار نظام التشغيل، كما تعمل باستمرار على تطوير قدراتها مع ظهور إصدارات وأجهزة جديدة.

وتظهر هذه الحدود أيضًا من خلال حاجة أدوات الأدلة الجنائية إلى تحديثات متواصلة حتى تتمكن من دعم أحدث الهواتف وأنظمة التشغيل، إذ توضح ماغنت أن غراي كي تحصل باستمرار على تحديثات بهدف الوصول إلى الأجهزة والأنظمة الحديثة. ولهذا فإن القول إن الأداة قادرة على فتح أي هاتف يتجاوز ما تثبته المعلومات التي تعلنها الشركة نفسها.

ولا تقتصر هذه التقنيات على ماغنت فورينسكس، فهناك أدوات أخرى تقدم وظائف مشابهة، من أبرزها منتجات شركة سيلبرايت الإسرائيلية، وعلى رأسها يو إف إي دي، إلى جانب منصات أحدث ضمن منظومتها مثل إنسايتس. وتقدم سيلبرايت نفسها كشركة متخصصة في التحقيقات الرقمية واستخراج وتحليل البيانات من الهواتف والأجهزة الإلكترونية.

وهنا يجب التفريق بين هذه الأدوات وبرامج التجسس مثل بيغاسوس التابع لشركة إن إس أو غروب، إذ تستخدم أدوات مثل غراي كي وسيلبرايت عادة عندما يكون الهاتف موجودًا فعليًا لدى الجهة التي تجري التحقيق وتريد استخراج البيانات منه، بينما تنتمي أدوات التجسس المتقدمة مثل بيغاسوس إلى فئة مختلفة من التقنيات التي يمكن استخدامها لاستهداف الأجهزة عن بعد في بعض السيناريوهات والوصول إلى بياناتها دون الحاجة إلى تسليم الهاتف للجهة المهاجمة.

وتصبح القضية أكثر حساسية في السياق الفلسطيني، في ظل تقارير تحدثت عن استخدام تقنيات استخراج بيانات الهواتف والمراقبة ضد فلسطينيين، إذ تقول لجنة خدمة الأصدقاء الأمريكية إن قوات الاحتلال الإسرائيلي استخدمت أدوات سيلبرايت لجمع بيانات من هواتف آلاف الفلسطينيين الذين اعتقلوا خلال الحرب على غزة.

كما أشارت تقارير حديثة إلى استخدام أدوات سيلبرايت على نطاق واسع في غزة والضفة الغربية لاستخراج بيانات من هواتف فلسطينيين محتجزين.

ومع ذلك، يبقى التفريق بين هذه التقنيات مهمًا، فسِيلبرايت أداة لاستخراج الأدلة الرقمية من أجهزة موجودة فعليًا بحوزة الجهة المستخدمة، بينما ينتمي بيغاسوس وكانديرو إلى فئة مختلفة من تقنيات التجسس الإلكتروني التي يمكن استخدامها لاستهداف الهواتف عن بعد.

وتكمن حساسية هذه الأدوات في حجم المعلومات التي يمكن الوصول إليها عند نجاح عملية الاستخراج، فقد تشمل الصور والمحادثات والملفات وسجل المواقع وتاريخ التصفح وبيانات التطبيقات، إلى جانب آثار رقمية أخرى يحتفظ بها الهاتف حتى بعد اختفاء بعضها من الواجهة التي يراها المستخدم.

وكشفت تحقيقات مختبر المواطن الكندي، على سبيل المثال، عن استخدام أدوات سيلبرايت ضد نشطاء في دول مختلفة، من بينها الأردن وكينيا وروسيا، وأظهرت التحقيقات قدرة هذه الأدوات على استخراج كميات واسعة من البيانات من الهواتف.

وهذا يعني أن الهاتف قد يتحول عند وقوعه في أيدي جهة تمتلك هذه الأدوات والخبرة إلى مستودع ضخم للمعلومات، فهو لا يحتوي فقط على ما كتبه صاحبه أو خزنه بشكل مباشر، بل يمكن أن يكشف أيضًا عن الأشخاص الذين تواصل معهم والأماكن التي زارها والملفات التي احتفظ بها والآثار التي تركتها التطبيقات المختلفة.

وبالتالي، فإن المؤكد هو أن أدوات مثل ماغنت غراي كي وسيلبرايت قادرة على تنفيذ عمليات متقدمة للوصول إلى بيانات الهواتف واستخراجها، بما في ذلك بعض الأجهزة المقفلة في الحالات التي تدعمها الأداة، كما يمكن للتحقيق الجنائي الرقمي في ظروف معينة العثور على بيانات محذوفة أو آثار مرتبطة بها.

لكن ما لا تثبته المعلومات المتاحة هو قدرة ماغنت على فتح أي هاتف أو استعادة جميع البيانات المحذوفة في كل الظروف، ولذلك فإن العبارات المطلقة المتداولة في الفيديو تحتاج إلى التعامل معها بحذر، باعتبارها ادعاءات أو مبالغات تتطلب اختبارًا مستقلًا لإثباتها.

أما في السياق الفلسطيني، فتقدم التقارير المتاحة أدلة على استخدام أدوات سيلبرايت في عمليات استخراج بيانات من هواتف فلسطينيين، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الأداة الظاهرة في الفيديو هي نفسها التي استُخدمت في جميع الحالات، كما لا يعني أن كل عملية تفتيش أو استخراج بيانات من هاتف نفذتها قوات الاحتلال الإسرائيلي تمت باستخدام الأداة ذاتها.

وفي النهاية، لا تكمن التطورات الأهم في وجود برنامج سحري قادر على فتح كل هاتف، بل في التطور الكبير الذي وصلت إليه تقنيات التحقيق الجنائي الرقمي، والذي يجعل الهاتف، عندما يقع في أيدي جهة تمتلك الأدوات والخبرة اللازمة، مصدرًا هائلًا للمعلومات الشخصية يتجاوز بكثير ما يظهر للمستخدم على شاشة جهازه.

التعليقات

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لضمان حصولك على أفضل تجربة.