فرض الذكاء الاصطناعي نفسه بقوة على نقاشات قادة دول العالم خلال قمة الأمم المتحدة المنعقدة حاليا في نيويورك، سواء داخل المناقشات العامة للدورة الـ81 أو خلال اللقاءات والجلسات التي عقدت على هامش أعمال الجمعية العامة.
وكانت هذه التقنية حاضرة منذ الكلمة الافتتاحية للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، قبل أن يتناولها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس التركي رجب طيب أردوغان في كلماتهم ومواقفهم المختلفة.
كما ناقش عدد من القادة الذكاء الاصطناعي خلال مقابلات وجلسات جانبية مع وسائل الإعلام، من بينهم ماكرون ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، وذلك بالتزامن مع فعاليات القمة التي بدأت في 22 سبتمبر وتستمر حتى 28 سبتمبر.
وأظهرت مواقف القادة اختلافا واضحا في طريقة التعامل مع مستقبل الذكاء الاصطناعي، فبينما دعا ماكرون إلى تعاون دولي أوسع ووضع قواعد مشتركة للتقنية، رفض ترمب بشكل قاطع أي مشروع عالمي يهدف إلى فرض سيطرة موحدة على الذكاء الاصطناعي.
وخلال خطابه، دعا الرئيس الفرنسي إلى تعاون دولي لإنشاء نموذج متقدم للذكاء الاصطناعي مفتوح المصدر يمكن للجميع المشاركة فيه والاستفادة منه، بعيدا عن حصر مستقبل التقنية في الولايات المتحدة والصين.
وقال ماكرون إن هناك من يحاول إقناع العالم بأن قوتين فقط ستتوليان اتخاذ القرارات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، في إشارة إلى الولايات المتحدة والصين، لكنه رفض هذا التصور مؤكدا أن مستقبل التقنية لا ينبغي أن تحدده دولتان فقط.
كما شدد على أن تنظيم الذكاء الاصطناعي لا يمكن تركه للولايات المتحدة والصين وعدد محدود من الجهات الخاصة، مشيرا إلى أن هذه التكنولوجيا يمكن أن تمس أمن الدول والمستشفيات والمصارف حول العالم.
وأشاد ماكرون في الوقت نفسه بالمسار الذي اتبعته المفوضية الأوروبية في وضع قوانين لتنظيم قطاع الذكاء الاصطناعي، داعيا إلى مواصلة هذا النهج وعدم التراجع عنه، ومؤكدا ضرورة التحرك قبل ظهور عواقب يصعب التعامل معها.
وفي مقابلة منفصلة مع شبكة إيه بي سي نيوز، قال ماكرون إن التعامل مع مخاطر الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يكون قرارا أمريكيا منفردا، بل يحتاج إلى نقاش مفتوح تشارك فيه الولايات المتحدة والصين وأوروبا وبقية دول العالم.
وأشار إلى ضرورة التمييز بين وقف تطوير النماذج المتقدمة وتعطيل الابتكار من جهة، ومواجهة إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي والمخاطر التي يمكن أن تنتج عنها من جهة أخرى.
وعلى الجانب الآخر، تبنى ترمب موقفا مختلفا تماما، إذ رفض أي تدخل عالمي يستهدف تنظيم قطاع الذكاء الاصطناعي، وقال إن الولايات المتحدة ترفض بشكل تام أي محاولة لإنشاء مشروع عالمي للسيطرة على هذه التكنولوجيا.
كما واصل ترمب انتقاده للتحذيرات المتعلقة بمخاطر الذكاء الاصطناعي والدعوات إلى إبطاء تطوره، وشبهها بتحذيرات ظهرت قبل 12 عاما حول الاحتباس الحراري.
وأكد الرئيس الأمريكي أن الولايات المتحدة تتصدر قطاع الذكاء الاصطناعي، مشيرا إلى أنها ستواصل ريادتها في هذا المجال بطريقة آمنة ومسؤولة، ومكررا موقفه القائل إن من يفوز بالذكاء الاصطناعي يفوز.
ومن بين أبرز تصريحات ترمب خلال القمة، إعلانه تغيير اسم الذكاء الاصطناعي في الوثائق الأمريكية، واعتماد مصطلح الذكاء الفائق بدلا منه.
وبرر ترمب التسمية الجديدة بأنها أكثر دقة من وجهة نظره، لأن كلمة اصطناعي تجعل الذكاء يبدو وكأنه مزيف، بينما يرى أن قدرات هذه التقنية حقيقية ومتقدمة.
أما الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، فقد خصص جزءا كبيرا من كلمته الأخيرة أمام الجمعية العامة قبل انتهاء ولايته مع نهاية العام للحديث عن الذكاء الاصطناعي.
وأكد غوتيريش أن مستقبل الذكاء الاصطناعي يجب أن يصاغ على يد البشرية وبالتعاون معها ومن أجل البشرية كلها، وليس لخدمة دول محددة، مشيرا إلى أن مصنعي التقنية أنفسهم بدأوا في دق ناقوس الخطر بشأن المخاطر المحتملة.
ودعا غوتيريش الولايات المتحدة والصين إلى الدخول في حوار يقوم على الشفافية والثقة والتعاون وتحمل المسؤولية تجاه البشرية، مستشهدا بما حدث خلال الحرب الباردة عندما أدركت الأطراف المتنافسة حاجتها إلى إدارة مخاطر وجودية مشتركة.
كما طالب باتباع وتيرة مسؤولة في تطوير الذكاء الاصطناعي ووضع ضمانات إضافية، مؤكدا أن القرارات المتعلقة بالحياة والموت لا ينبغي أن تُترك للآلات، وأن الروبوتات القاتلة لا مكان لها في المستقبل.
وفي كلمته أمام الجمعية العامة، حذر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بدوره من المخاطر المرتبطة بالتوسع السريع في استخدام الذكاء الاصطناعي، مشيرا إلى تحديات تتعلق بالأمن السيبراني وأسواق العمل وانتشار المعلومات المضللة عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وقال أردوغان إن العالم يواجه خطرا بسبب الذكاء الاصطناعي الذي أصبح من الصعب السيطرة عليه، مؤكدا أن سرعة تطور التقنية تتطلب تنظيما يسير بوتيرة متناسبة معها.
ودعا الرئيس التركي إلى وضع إطار قانوني دولي موحد للذكاء الاصطناعي، مع تسريع الجهود المتعلقة بصياغة اتفاقية الأمم المتحدة الدولية الخاصة بهذه التقنية والعمل على دخولها حيز التنفيذ.
ولم تقتصر مناقشات القمة على مخاطر الذكاء الاصطناعي العامة، بل امتدت إلى تأثير التقنية على الأطفال، حيث شهدت نيويورك اجتماعا رفيع المستوى حول حماية الأطفال في عصر الذكاء الاصطناعي على هامش أعمال الجمعية العامة.
وترأس الاجتماع 4 قادة، هم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس الكيني وليام روتو ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز ورئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيز.
ودعا سانشيز خلال الاجتماع إلى محاسبة شركات الذكاء الاصطناعي على تأثير أنشطتها في القاصرين، مؤكدا أن التكنولوجيا يجب أن تعمل لخدمة البشر وليس العكس.
وشدد على أن الشركات لا يمكنها الاحتفاظ بالأرباح وتحميل المجتمع التكاليف، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالصحة العقلية والنفسية للأطفال، معتبرا أن حماية الأبناء أهم من المصالح التجارية.
وأشار سانشيز إلى أن بناء مستقبل تقني أكثر أمانا للأطفال يحتاج إلى حدود واضحة تقوم على تحمل المسؤولية والتعاون بين مختلف الأطراف.
واتفق المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك مع هذه المخاوف، موضحا أن حقوق الأطفال تنطبق على الذكاء الاصطناعي كما تنطبق على أي مجال آخر.
وأشار تورك إلى أن أطفال اليوم يمثلون أول جيل ينشأ مع هذه التقنية، رغم أنهم غالبا آخر من يُطلب رأيه عند اتخاذ القرارات المتعلقة بمستقبلها.
وفي ظل هذه المواقف المتباينة، طالبت أكثر من 20 دولة، معظمها أوروبية، باتخاذ إجراءات أمان ملزمة للتعامل مع الذكاء الاصطناعي المتقدم، محذرة من أن سرعة تطور التقنية أصبحت تسبق القدرة على ضبطها.
ولم توقع الولايات المتحدة والصين على هذا البيان ولم تؤيداه، ليبقى الذكاء الاصطناعي واحدا من أبرز الملفات التي تكشف اختلاف الرؤى الدولية حول كيفية التعامل مع التكنولوجيا المتقدمة، بين من يدعو إلى تنظيم دولي مشترك ومن يرفض فرض قيود عالمية على مسار التطوير.

إرسال تعليق