قد يبدو الذكاء الاصطناعي نشاطًا رقميًا يحدث داخل شاشات المستخدمين، لكن تشغيل النماذج الحديثة يعتمد في الواقع على بنية مادية ضخمة غالبًا ما تبقى بعيدة عن الأنظار خلف الخدمات السحابية، وفي الولايات المتحدة بدأت هذه البنية تتحول تدريجيًا إلى عامل يعيد تشكيل المشهد العمراني، مع انتقال مراكز البيانات من منشآت حوسبة تقليدية إلى مجمعات هائلة تضم آلاف وحدات معالجة الرسومات، إلى جانب محطات ومحولات كهربائية وأنظمة تبريد وشبكات اتصالات فائقة السرعة.
ويشير تقرير حديث من مختبر لورنس بيركلي الوطني إلى أن مراكز البيانات قد تستهلك 11.8% من إجمالي الكهرباء في الولايات المتحدة بحلول عام 2030، ضمن نطاق محتمل يتراوح بين 9.5% و15.3%، وترتبط هذه الزيادة بشكل خاص بالتوسع السريع في خوادم الذكاء الاصطناعي.
ويرتبط هذا التحول بشكل أساسي بارتفاع كثافة الحوسبة داخل مراكز البيانات، إذ تجمع أنظمة مثل إنفيديا جي بي 200 إن في إل 72 عددًا كبيرًا من وحدات المعالجة داخل رف واحد، حيث تضم 72 وحدة معالجة رسومية من نوع بلاكويل إلى جانب 36 معالجًا مركزيًا من نوع غريس، مع اعتمادها على تقنية إنفيديا لينك لنقل البيانات بسرعة عالية بين وحدات المعالجة، وتصل سعة الاتصال داخل نطاق إنفيديا لينك في النظام إلى 130 تيرابايت في الثانية.
وتفرض هذه الكثافة العالية متطلبات جديدة على تصميم المباني نفسها، فالحرارة الناتجة عن تشغيل هذا العدد من وحدات معالجة الرسومات تجعل التبريد السائل عنصرًا أساسيًا في بعض منصات الذكاء الاصطناعي الحديثة، بدل الاعتماد الكامل على أنظمة التبريد الهوائي، وتوضح إنفيديا أن التبريد السائل يسمح برفع كثافة الحوسبة وتقليل المساحة اللازمة للمعدات.
ولا تقتصر التحديات على المعدات والتبريد داخل المبنى، فالأنظمة الحديثة تحتاج أيضًا إلى نقل كميات ضخمة من البيانات بين وحدات المعالجة، ما يجعل شبكات الألياف الضوئية ووسائل الربط الداخلي عالية السرعة جزءًا مهمًا من تصميم مراكز البيانات، وتوضح جوجل أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي تفرض متطلبات جديدة على الشبكات، خصوصًا عندما يتجاوز الطلب على الحوسبة قدرة منشأة واحدة، وهو ما يدفع الشركات إلى توزيع مراكز البيانات وربطها بشبكات ذات سعة مرتفعة.
وأصبحت الكهرباء بدورها جزءًا أساسيًا من تصميم مركز البيانات وموقعه، إذ توضح بيانات مقاطعة لودون في شمال فرجينيا أن مركز البيانات الواحد يمكن أن يحتاج إلى ما بين 30 و200 ميغاواط بشكل مستمر، بينما تستهلك مراكز البيانات في المقاطعة مجتمعة ما لا يقل عن 3 غيغاواط، وفي بعض الحالات تحتاج المنشآت التي تتجاوز أحمالها 100 ميغاواط إلى أكثر من محطة كهربائية.
وتشير المقاطعة إلى أن نمو الطلب على الطاقة أصبح أسرع من قدرة خطوط النقل والمحطات على التوسع، وهو ما دفع بعض المطورين إلى التفكير في توليد الكهرباء داخل مواقع مراكز البيانات، إلى جانب استخدام البطاريات وأنظمة تخزين الطاقة.
وبذلك لم يعد اختيار موقع مركز البيانات يعتمد فقط على توفر الأرض أو شبكات الألياف الضوئية، بل أصبح مرتبطًا أيضًا بوجود قدرة كهربائية قابلة للتوسع، أو إمكانية إنشاء بنية جديدة لتوفير الطاقة اللازمة لتشغيل المنشأة.
وتكشف صور الأقمار الصناعية للمواقع التي نشرتها صحيفة واشنطن بوست جانبًا واضحًا من هذا التحول، إذ تقارن الصور بين المواقع نفسها قبل توسع مراكز البيانات وبعده، وتظهر كيف تحولت بعض الأراضي الزراعية والغابات والمساحات المفتوحة إلى مجمعات ضخمة للحوسبة ومرافق الطاقة والبنية التحتية المرتبطة بها.
وفي مقاطعة لودون بفرجينيا، تحولت المناطق المحيطة بمركز صناعة مراكز البيانات في شمال الولاية إلى مشهد تهيمن عليه المباني العملاقة ومرافق الطاقة، وتحصي المقاطعة 233 مبنى لمراكز البيانات، بإجمالي مساحة تبلغ 56.5 مليون قدم مربعة حتى مارس 2026، إلى جانب 35.7 مليون قدم مربعة أخرى قيد الموافقات أو التخطيط.
أما في مقاطعة ميلام بولاية تكساس، فتظهر الصور الجوية كيف تحولت منطقة ريفية إلى موقع للبنية التحتية المرتبطة بمشروع ستارغيت، الذي يضم مركز بيانات بقدرة مخططة تبلغ 1.2 غيغاواط، إلى جانب تطوير منشآت للطاقة والتخزين لخدمة عمليات الحوسبة.
وتشير سجلات ولاية تكساس إلى أن المرحلة الأولى من المشروع تتضمن مبنى تبلغ مساحته 548950 قدمًا مربعة، إلى جانب 4 قاعات للبيانات.
وفي فاييت، تكشف الصور بدورها عن توسع مجمعات مراكز البيانات على مساحة كانت أقل تطورًا من الناحية العمرانية، ويضم الموقع منشأة مايكروسوفت فيرووتر أتلانتا، التي تقدر مصادر تتبع البنية التحتية قدرتها الحاسوبية بما يعادل نحو 769 ألف وحدة معالجة رسومية من طراز إتش 100، مع قدرة كهربائية مقدرة بنحو 636 ميغاواط، مع الإشارة إلى أن هذه الأرقام تقديرية وليست إفصاحًا رسميًا من مايكروسوفت.
وفي ممفيس بولاية تينيسي، يقدم مجمع كولوسوس التابع لشركة إكس إيه آي نموذجًا أكثر وضوحًا للتحول من مركز بيانات تقليدي إلى مجمع يجمع بين الطاقة والحوسبة، إذ تقول الشركة إن المنشأة تستهدف الوصول إلى مليون وحدة معالجة رسومية، بينما تشير تحليلات صور الأقمار الصناعية إلى توسع متتابع في المباني ومعدات التبريد والبطاريات ومرافق الطاقة.
وتقول إكس إيه آي إنها أنفقت 35 مليون دولار على محطة كهرباء لخدمة المنشأة، كما التزمت بإنفاق 20 مليون دولار إضافية على محطة أخرى، إلى جانب دمج أكثر من 200 بطارية من طراز تسلا ميغاباك.
وتكشف هذه المواقع أن التحول الذي تفرضه طفرة الذكاء الاصطناعي لا يتعلق بمساحة المباني فقط، فكلما ارتفعت كثافة وحدات معالجة الرسومات، زادت الحاجة إلى كميات أكبر من الكهرباء، وأنظمة تبريد أقوى، وشبكات أسرع، إلى جانب محطات ومحولات وخطوط نقل جديدة.
وفي بعض المواقع، تمتد هذه المتطلبات إلى إضافة البطاريات أو إنشاء أنظمة لتوليد الطاقة داخل الموقع نفسه، ما يؤدي إلى توسع البنية التحتية المحيطة بمبنى الحوسبة وليس المبنى وحده.
وهكذا تتحول القدرة الحاسوبية التي تبدو للمستخدم كخدمة غير مرئية تعمل عبر السحابة إلى مبان ضخمة، ومحطات كهرباء، ومعدات تبريد، وطرق، وخطوط نقل، وشبكات ألياف ضوئية، لتصبح مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي جزءًا من بنية مادية واسعة قادرة على تغيير شكل الأراضي والمشهد العمراني في عدد من المناطق الأمريكية.

إرسال تعليق