أحدث الأخبار

البيانات الشخصية تعيد تشكيل ما تراه على الإنترنت

صفحة فيسبوك
تابع الآن
إكس (تويتر)
تابع على X
ثريدز
تابع الآن
قناة واتساب
انضم الآن


 لم تعد البيانات الشخصية مجرد معلومات يدخلها المستخدم عند إنشاء حساب على مواقع التواصل الاجتماعي، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من اقتصاد المنصات الرقمية، الذي يعتمد على تحليل سلوك المستخدم واهتماماته لتخصيص الإعلانات والمحتوى الذي يظهر أمامه. فمن عمليات البحث ومقاطع الفيديو التي يشاهدها، إلى المنشورات التي يتفاعل معها والوقت الذي يقضيه أمام الشاشة، تتشكل أنماط رقمية يمكن تحليلها للتنبؤ باهتماماته وتحديد نوع المحتوى الذي قد يلفت انتباهه.

ومع هذا التوسع، تبرز تساؤلات متزايدة حول حدود الخصوصية، ومدى تأثير الخوارزميات في تشكيل وعي الجمهور وطريقة وصول المعلومات إليه. وتزداد حساسية المسألة عندما يتقاطع جمع البيانات مع انتشار المعلومات المضللة وحملات التأثير الرقمي، فالمحتوى لا يصل بالضرورة إلى جميع المستخدمين بالطريقة نفسها، كما يمكن توجيه رسائل معينة إلى فئات محددة بالاعتماد على اهتماماتها ومخاوفها.

وتساعد هذه التقنيات المنصات على تقديم إعلانات وخدمات أكثر ارتباطًا باحتياجات المستخدمين، لكنها في الوقت نفسه تفتح الباب أمام مخاوف تتعلق بطريقة استخدام البيانات، وما يمكن استنتاجه منها، ومدى قدرة المستخدم على معرفة سبب ظهور محتوى معين أمامه بشكل متكرر.

وتعتمد الإعلانات الموجهة على جمع إشارات متعددة من نشاط المستخدم وتحليلها، مثل المواقع التي يزورها والتطبيقات التي يستخدمها والموضوعات التي يبحث عنها والإعلانات التي يتفاعل معها. ويمكن جمع بعض هذه الإشارات معًا لتكوين صورة تقريبية عن اهتماماته، ثم استخدامها لتحديد الإعلانات التي قد تكون أكثر ارتباطًا بما يبحث عنه أو يهتم به.

ولا يعني ذلك أن جميع المنصات تجمع الأنواع نفسها من البيانات، أو أن كل تطبيق يستطيع الوصول إلى جميع المعلومات الموجودة على الهاتف، إذ تختلف ممارسات جمع البيانات بحسب التطبيق والأذونات والتقنيات المستخدمة.

وتوضح دراسة منشورة في دورية International Journal of Information Security بعنوان الخصوصية في الإعلانات الموجهة على الأجهزة المحمولة، أن منظومة الإعلان الرقمي تضم أطرافًا متعددة، من بينها المنصات وشركات الإعلان والتحليلات، وقد تتبادل هذه الأطراف بيانات أو مؤشرات تساعد على بناء ملفات للمستخدمين وتخصيص الإعلانات وفق اهتماماتهم.

وتحذر الدراسة من مخاطر مرتبطة بالتتبع من جهات خارجية، ومن إمكانية استنتاج معلومات خاصة اعتمادًا على أنماط الاستخدام، حتى عندما لا يقدم المستخدم هذه المعلومات بصورة مباشرة. وهذا يعني أن حماية الخصوصية لا تتعلق فقط بالمعلومات التي يكتبها الشخص بنفسه، بل تشمل أيضًا ما يمكن استنتاجه من نشاطه الرقمي، وهو ما يجعل فهم أذونات التطبيقات وسياسات مشاركة البيانات أمرًا مهمًا للمستخدمين.

وبعد جمع هذه الإشارات وتحليلها، يأتي دور أنظمة التوصية التي تحدد المحتوى الذي يظهر أمام المستخدم وترتبه وفق مجموعة من العوامل، قد تشمل سجل المشاهدة والتفاعل وحداثة المنشور ومدى اهتمام المستخدم بموضوع معين. ولهذا السبب قد يشاهد شخصان يستخدمان المنصة نفسها محتوى مختلفًا تمامًا، حتى عند تصفحهما للموضوعات العامة نفسها.

لكن القضية لا تتعلق فقط بتخصيص تجربة الاستخدام، بل تمتد إلى التساؤل حول ما إذا كان تكرار عرض محتوى مشابه قد يقلل من تعرض المستخدم لوجهات نظر أخرى. ففي مارس 2026، نشرت دورية Journal of Public Economics دراسة بعنوان الترتيب وفق التفاعل كيف تغذي خوارزميات التواصل الاجتماعي المعلومات المضللة والاستقطاب.

وتناقش الدراسة آلية يمكن أن يؤدي فيها تعزيز المنشورات التي تحصل على تفاعلات ومشاركات أكبر إلى زيادة ظهور المعلومات المضللة والاستقطاب، خصوصًا عندما يتفاعل المستخدمون أصحاب المواقف الأكثر حدة بمعدلات أعلى من غيرهم.

وتربط الدراسة بين سلوك المستخدمين وطريقة ترتيب المحتوى في حلقة متبادلة، فالمحتوى الذي يحصل على تفاعل أكبر قد ينتشر بصورة أوسع، بينما تؤثر استجابات الجمهور بدورها في نوعية المحتوى الذي سيظهر لاحقًا. ومع ذلك، لا يعني هذا أن كل خوارزمية تدفع المستخدم حتمًا نحو التطرف أو التضليل، وإنما يوضح كيف يمكن لطريقة ترتيب المنشورات أن تسهم في تضخيم بعض الرسائل في ظروف معينة.

ولا يتوقف استخدام البيانات في تخصيص المحتوى عند التسويق للمنتجات والخدمات، إذ تُستخدم تقنيات الاستهداف الدقيق أيضًا في الإعلانات السياسية. وتسمح هذه الممارسات بتوجيه رسائل إلى شرائح محددة من الجمهور بناءً على معايير واهتمامات مختلفة، بدلًا من عرض الرسالة نفسها أمام جميع المستخدمين.

وفي دراسة أكاديمية بعنوان من يستهدفك ومن لا يستهدفك خريطة الاستخدام العالمي للاستهداف السياسي الدقيق عبر الإنترنت، حلل الباحثون بيانات إعلانات فيسبوك وإنستقرام خلال 113 انتخابات وطنية في 95 دولة، بين أغسطس 2020 وديسمبر 2022.

وشمل التحليل نحو 54 ألف معلن سياسي نشروا 2.5 مليون إعلان، وتوضح الدراسة أن الاستهداف السياسي عبر المنصات يمثل ممارسة واسعة النطاق، مع اختلاف أساليب استخدامه من دولة إلى أخرى ومن حملة إلى أخرى. وتبرز أهمية هذه النتائج في أن البيانات والقدرة على تقسيم الجمهور إلى شرائح يمكن أن تساعد الحملات على تقديم رسائل مختلفة لفئات مختلفة من الناخبين.

لكن وجود الاستهداف الدقيق لا يثبت في حد ذاته أن هذه الرسائل نجحت في تغيير مواقف الناخبين أو التأثير في نتائج الانتخابات. وتزداد المخاوف عندما تُستخدم هذه الإمكانات ضمن حملات تضليل منظمة، إذ يمكن استغلال معرفة اهتمامات الجمهور لتصميم رسائل تستثير مخاوفه أو تستفيد من الانقسامات الموجودة داخله، ثم توجيهها إلى مجموعات محددة.

وفي هذه الحالة، لا تكمن المشكلة في جمع البيانات وحده، بل في الطريقة التي يمكن استخدامها بها لتحديد من يتلقى الرسالة، والصيغة التي تظهر بها، وكيف يمكن أن تحصل على أكبر قدر من التفاعل.

ومن هنا يظهر ما يعرف بفقاعة الترشيح، وهو مصطلح يصف حالة قد يتعرض فيها المستخدم بصورة متكررة لمحتوى يتوافق مع اهتماماته أو مواقفه السابقة، بما قد يقلل من تنوع المعلومات ووجهات النظر التي يشاهدها. وقد يحدث ذلك عندما تعتمد أنظمة التوصية بشكل كبير على سجل تفاعل المستخدم، فتستمر في تقديم موضوعات مشابهة لما شاهده من قبل.

لكن الأبحاث لا تقدم صورة واحدة ثابتة لهذه الظاهرة، إذ يختلف تأثير الخوارزميات بحسب المنصة والموضوع وسلوك المستخدم، كما أن تكرار المحتوى المتشابه لا يعني بالضرورة أن المستخدم أصبح معزولًا بالكامل عن الآراء الأخرى. ولهذا تظل دراسة العلاقة بين أنظمة التوصية وتنوع المعلومات ضرورية لفهم حجم التأثير الفعلي لهذه الخوارزميات.

وتشير دراسة منشورة في فبراير 2025 بدورية Journal of the Association for Information Science and Technology إلى إمكانية الحد من فقاعات الترشيح من خلال تصميمات تمنح المستخدمين فرصة أكبر لاستكشاف وجهات نظر مختلفة والتحكم في أنماط المحتوى التي تظهر أمامهم.

واختبر الباحثون نظام توصية تجريبيًا يستخدم أدوات مثل تصنيف المواقف والفلاتر القائمة عليها، بهدف تعزيز تنوع المعلومات التي يستهلكها المستخدمون. وتعكس هذه النتائج أن تصميم الخوارزميات وطريقة تفاعل المستخدم معها يمكن أن يؤثرا في تنوع المحتوى، وأن مواجهة الفقاعات المعلوماتية لا تعتمد فقط على تغيير سلوك الجمهور، بل تشمل أيضًا توفير أدوات تساعده على تجاوز التوصيات المتكررة.

وفي النهاية، أصبحت البيانات الشخصية عنصرًا مؤثرًا في طريقة عمل المنصات الرقمية، بداية من الإعلانات التجارية ووصولًا إلى ترتيب المحتوى وتوجيه الرسائل السياسية. ولا يعني ذلك أن المنصات تتحكم بصورة مطلقة في أفكار مستخدميها، لكنه يوضح أن فهم آليات جمع البيانات والتوصية والاستهداف أصبح ضروريًا لفهم البيئة المعلوماتية التي يتعرض لها الجمهور يوميًا.

ومع انتشار المحتوى المضلل وتوسع الاعتماد على الخوارزميات، تزداد أهمية التحقق من مصادر الأخبار وتنويع مصادر المعلومات ومراجعة أذونات التطبيقات، إلى جانب محاولة فهم الأسباب التي تجعل محتوى معينًا يظهر بصورة متكررة أمام المستخدم. فكلما زادت قدرة المنصات على معرفة اهتمامات الجمهور، أصبح وعي المستخدم بطريقة عمل هذه الأنظمة جزءًا مهمًا من التعامل مع البيئة الرقمية التي تحيط به.

التعليقات

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لضمان حصولك على أفضل تجربة.