تستعد روسيا لتطبيق تقنية جديدة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لاختيار ألوان واجهات المباني بما يتناسب مع الحالة المزاجية للسكان وطبيعة البيئة المحيطة، في خطوة تهدف إلى تطوير المشهد الحضري وتحسين جودة الحياة داخل المدن. ويتميز النظام بقدرته على اقتراح ألوان حقيقية مباشرة من كتالوج RAL، مع إمكانية المساهمة في وضع معايير حديثة لتصميم المدن خلال السنوات المقبلة.
ومن المقرر أن تبدأ التجربة الأولى لهذه التقنية في مدينتي سوليكامسك وبيريزنيكي بإقليم بيرم، حيث يسعى القائمون على المشروع إلى الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في ابتكار حلول أكثر دقة وارتباطًا باحتياجات السكان ومشاعرهم اليومية.
ويرى الباحثون أن مظهر المدينة لا يرتبط بالجمال البصري فقط، بل يمتد تأثيره إلى راحة السكان والشعور بالرضا داخل المساحات الحضرية. ورغم أن العديد من المدن تعتمد أنظمة لونية خاصة بها، فإن هذه الأنظمة غالبًا ما تضع حدودًا للألوان المتاحة دون أن تقدم حلولًا تصميمية متكاملة. فعلى سبيل المثال تضم لوحة ألوان موسكو 416 لونًا، بينما تحتوي اللوحة التاريخية لمدينة سانت بطرسبرغ على 114 لونًا، في حين توفر مدينة بيرم أكثر من 300 لون للاستخدام العمراني.
ويعتمد النظام الجديد على آلية مختلفة، إذ يبدأ المهندس المعماري بتحديد مجموعة من المعايير الخاصة بالمشروع، مثل نوع المبنى والطراز المعماري والظروف المناخية والانطباع العاطفي المطلوب تحقيقه. ويمكن أن تشمل هذه المعايير توصيفات مثل مبنى سكني في مركز تاريخي ضمن مناخ غائم مع أجواء إيجابية، أو مشروع مستوحى من طراز نورماندي في منطقة ساحلية يمنح شعورًا بالهدوء والاسترخاء.
بعد ذلك يقوم البرنامج بتحليل قاعدة بيانات جرى تطويرها على مدى سنوات، وتضم آلاف الصور الحقيقية لواجهات المباني إلى جانب معلومات مرتبطة بالموقع والطراز المعماري ونوع المبنى والانطباعات العاطفية التي عبّر عنها السكان تجاه تلك البيئات.
ويستند النظام إلى مجموعة واسعة من أساليب التحليل المعرفي، حيث تعتمد الخوارزمية على 10 مناهج مختلفة، منها 3 مناهج إحصائية لدراسة انتشار الألوان في البيئات المتنوعة، إضافة إلى 7 مناهج معلوماتية تركز على فهم العلاقة بين الألوان والعمارة والمناخ وتأثيرها النفسي على الأفراد.
وفي المرحلة الأخيرة من عملية الاختيار، يحدد النظام 6 ألوان فقط من بين أكثر من 2500 لون متاح داخل كتالوج RAL الرقمي. وبعد ذلك يتم إنشاء مجموعات لونية جاهزة اعتمادًا على تناغمات ألوان إيتن، ما يقلص عدد الخيارات من ملايين التركيبات المحتملة إلى نحو 50 تركيبة عملية وسهلة الاستخدام. وتتضمن كل مجموعة رموزًا محددة للجدران والعناصر الزخرفية والحواف وإطارات النوافذ.
وأوضح ألكسندر أليكسييف، رئيس قسم منظمة البحث العلمي في جامعة PNRPU، أن أبرز ما يميز هذا النظام هو شموليته، إذ لا يعتمد فقط على أسماء الألوان أو مدى انسجامها البصري، بل يبني مقترحاته وفق علاقات مدروسة تجمع بين الألوان والمناخ والطراز المعماري ونوع المبنى وحتى التأثيرات النفسية المرتبطة بالسكان.
ويتطلع القائمون على المشروع إلى توسيع نطاق هذه التقنية خلال الفترة المقبلة، حيث يجري العمل على إعداد رموز تصميم خاصة بمدينتي سوليكامسك وبيريزنيكي بالتزامن مع استعداد المدينتين للاحتفال بذكريي تأسيسهما في عامي 2030 و2032. كما يأمل الباحثون في تعميم التجربة على مدن روسية أخرى مع مراعاة الخصائص المناخية والمعمارية والثقافية لكل مدينة، بما يضمن إنشاء بيئات حضرية أكثر انسجامًا وارتباطًا باحتياجات المجتمع.

إرسال تعليق